سورة آل عمران · الآية ١٥٩ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ١٥٩
الرسم الإملائيّ

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ

الجزء ٤الربع ٢٨ صفحة ٧١

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 159]

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ << ما >> مزيدة للتوكيد والدلالة على أن اللينة لهم ما كان إلاَّ برحمة من الله ، ومعنى الرحمة ربطة على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطُّف بهم . ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً ﴾ جافيا ، ﴿ غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾ قاسية ، ﴿ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ لتفرقوا عنك ، حتى لا يبقى حولك أحد منهم ؛ ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ ما كان منهم مما يختص بك ، ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فيما يختص بحق الله إذا تابوا ، إتماما للشفقة عليهم ، ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ في أمر الحرب ونحوه ، مما لم ينزل عليك فيه وحي ، تطيبا لنفوسهم وترويحا لقلوبهم ورفعا لأقدارهم ، وكشفا للآراء الصائبة ، وهضما للنفس على الاستبداد ، وطلبا لعلم ما لم يعلمه الله [و] وفي الحديث : << ما تشاور قوم قط ، إلاَّ هدوا لأرشد أمرهم >> . وعن أبي هريرة : << ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من الصحابة >> ؛ ومعنى شاورت فلانا : أظهرت ما عندي وما عنده من الرأي ، وفيه دلالة على جواز الاجتهاد ، وبيان أن القياس حجة ، وعلى أن الإحاطة بالعلم محال ، وكل واحد من الخلق يخصه بعلم لم يخص به الآخر ، وإن كان أفضل منه وأعلم منه بغيره . ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ ﴾ فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ، ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾ في إمضاء أمرك على الأرشد ، لا على المشورة . ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ عليه ، والتوكل : الاعتماد على الله ، وتفويض الأمر إليه . وقال ذو النون : << خلع الأرباب ، وقطع الأسباب >> .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٥٢

[سورة آل عمران — آية 159]

قوله : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ ﴾ . قال رجل من المسلمين من أصحاب النبي عليه السلام . لقد أحسن الله إلينا الإِحسان كله؛ كنا قوماً مشركين ، فلو جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين جملة واحدة فيه قتال الآباء والأبناء ، وتحريم الحرام والربا ، والأحكام والحدود ، لما دخلنا في الإِسلام؛ ولكنه دعانا إلى كلمة ، فلما دخلنا فيها ، وعرفنا حلاوة الإِسلام والإِيمان ، قبلنا ما جاء به من عند الله .

قوله : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ ﴾ أي : فبرحمة [ وما صلة زائدة ] قال : فبرحمة من الله وتوفيقه دخل المسلمون في الإِسلام لِمَا جعل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اللين والرحمة للمؤمنين . قال : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَليْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ ، - أي : ما ضاق بكم ، - ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ التوبة : 128 ] . وهي آخر آية نزلت من القرآن فيما قال أبي بن كعب .

قوله : ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ أمره أن يعفو عنهم مما لم يلزمهم من حكم أو حدّ . ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ .

قال الحسن : ما كان في الأرض أحسن رأياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان له حاجة إلى أصحابه في مشورة ، ولكن الله أراد بذلك أن يطمئنّ المسلمون إلى رسول الله بمشاورته إياهم . وكانت المشورة فيما لم ينزل من الله فيه حكم ولا أمر ولا نهي في الحرب ، أو أشباه ذلك .

وذكر بعضهم قال : أمره الله أن يشاور أصحابه في الأمر وهو يأتيه الوحي من السماء ، لأنه أطيب لأنفس القوم . وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً ، فأرادوا بذلك وجه الله ، عزم الله لهم على الرشاد .

وبعضهم قال : ما اجتمع قوم يتشاورون في أمر ، فعلم الله أنهم يريدون الخير ، إلا وُفِّقوا لأرشد أمرهم .

وذكر بعضهم أن سعداً لم يحكم في قريظة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه فجاء على حمار ، فقال له رسول الله : أشر عليّ فيهم ، فقال : قد عرفت أن الله أمرك فيهم بأمر أنت صانع ما أمرك به . فقال : أشر عليّ فيهم . فقال : لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلهم ، وسبيت ذريتهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لقد أشرت بالذي أمرني الله به » .

قال : ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ قال بعضهم أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه [ ويستقيم على أمر الله ] ويتوكل على الله .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٥٢

[سورة آل عمران — آية 159]

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ ﴾ ما صلة للتأكيد ، وكذا فيما تقضهم ، وعما قليل ، وجند ما هنالك ، وعما خطاياهم ، ومما خطيئاتهم ، أو بمعنى شىء ، أو خصلة ، سهلت ، بتحمل آذاهم ، ومخالفتهم إياك يوم أحد إذ تركوا المركز الذى تركه أدى إلى قتل مسلمين كثيرين ، وأفراح العدو بالقتل والأسر ولم تنعقهم ولم تحقد عليهم بذلكمع عظم موقعه فى الدين ، ومع مقتضى جهلة البشر من الحقد والعقاب وسكنوا إليك لذلك ، وهو ضد أخلاق الفظ الغليظ ، كما قال الله جل وعلا ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّا ﴾ سيىء الخلق ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ قاسيه ، فظظت وأغلظت عليهم ، وقيل : فظ القول غليظ القلب فى الفعل ، وقيل : الفظ فى القول والفعل ظاهر ، أو غلظ القلب سوء الباطن ، وجاء الخبر ، غن أبعد القلوب عن الله القلوب القاسية ﴿ لاَنفَضُّوا ﴾ تفرقوا ﴿ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ والله سبحانه وتعالى يأمر باللين للسلامة معه من الظلم ، ولجلب الناس إلى دين الله ولإبقائهم عليه ، ولو لم يلن ، وإذا أفضى الله تعالى : جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ، وقال : فَشرِّد بهم مَن خَلْقهم ، وقال : لا تأخذكم بهما رأفة ، وقال : أشداء على الكفار ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ فعلوه من ترك المركز ومن انهزامهم وإلحاحهم قبل ذلك الخروج إلى أحد وغير ذلك مما هو من حقوقك ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فيما لك وفيما لله ﴿ وَشَوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ ﴾ الحرب وغيرها من أمور الدنيا والدين ، إلا أن المشاورة فيه إنما هى فى طريق إمضائه بأى وجه ، وأما إمضاؤه فواجب لا مشاورة فيه ، وحكمة المشاورة الاستعانة برأيهم وترك رأيه إلى رأيهم ، إذ ظهر له الصلاح فى الترك ، وظهور نصح من بنصحه ، ومعرفة مقادير عقولهم وأفهامهم ، وتطييب نفوسهم وجلبهم وإذهاب اضعافهم ، وأنه يشق على سادات العرب ألا يشاوروا ، وأن تقتدى الأمة به فى الشورى فيظفروا بالرأى الصالح قال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر وعمر : لو اجتمعتما فى مشورة لم أخالفكمما ، رواه أحمد عن عبد الرحمن بن غنيم ، وأخرج الطبرى عن قتادة؛ أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه فى الأمور ، وهو يأتيه الوحى من السماء لأنه أطيب لنفوس القوم ، وليكون سنة بعده ، ولا يشاورهم في أوحى إليه إلا على بيان طريق إنفاذه ، وروى ابن عدى والبهقى أنه قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية ، أما إن الله ورسوله لغنيان عن الشورى ، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتى ، وفى البخارى قرأ ابن عباس ، وشاورهم فى بعض الأمر ، وليست الآية أن يشاورهم مطلقا أو كلهم ، بل من يتأهل لها بالتدبير ، روى الحاكم والبيهقى عن ابن عباس أنها نزلت فى أبى بكر وعمر ، أى ويحكم لثلهما بحكمها ، وأل فى الأمر للحقيقة لا للاستغراق ولا للعبد ﴿ فَإذَا عَزَمْتَ ﴾ ثبت على العزم ، بأن كان الأمر دينيَّا لا يحتاج إلى تفكر يؤدى إلى إمضائه ، أو جزم الله طريقه ، أو دنيويا وعينه أو غير ذلك ، وقد عزمت فيه بعد الشورى على رأيك أو رأيهم ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ﴾ اعتقد أن النفاع الضار هو الله ، ولا تأثير لغيره من أحد أو رأى ، والتوكل لا ينافى الكسب والمشاورة ، فإن الإإنسان يراعى الأسباب ولا يعول عليها ، بل قضاء الله عز وجل ، وليس التوكل إهمال النفس عن الأسباب فيما يحتاج إلى الأسباب ، وذلك نص الآية ، إذ جمعت بين المشاورة وهى استخراج الرأى كاستخراج العسل ، وبين التوكل ، وأقوى التوكل ألا تطلب لنفسك ناصراً غير الله ، ولا لرزقك خازناً غيره ، ولا لعملك مشاهداً غيره ، وإذا لم يحتد أمر إلى كسب فالتوكل فيه مجرد عن الكسب ، أو كان مما لا يضر فيه ترك الكسب جاز ترك الكسب فيه ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ ﴾ منصر وينفع ويهدى ﴿ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ عليه جل وعلا .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٥٢