سورة آل عمران · الآية ١٧٢ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
ٱلَّذِینَ ٱسۡتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَاۤ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِینَ أَحۡسَنُوا۟ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡا۟ أَجۡرٌ عَظِیمٌ١٧٢
الرسم الإملائيّ

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ

الجزء ٤الربع ٢٩ صفحة ٧٢

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 172]

﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾ الجرح ، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٦٥

[سورة آل عمران — آية 172]

قوله : ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ ﴾ والقرح الجرح ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقُوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أي الجنة .

وذلك يوم أحد ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رحم الله قوماً ينتدبون حتى يعلم المشركون أننا لم نُستأصَل ، وأن فينا بقيةً » فانتدب قوم ممّن أصابتهم الجراح ذلك اليوم .

وقال بعض المفسّرين : ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقُوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

أي الجنة . ذلك يوم أُحُد ، بعد القتل والجراحات ، وبعد ما انصرف المشركون : أبو سفيان وأصحابه ، فقال نبي الله لأصحابه : « ألا عصابة تنتدب لأمر الله فنطلب عدوَّنا ، فإنه أنكى للعدو وأبعد في السّمع » فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله من الجهد بهم ، حتى إذا كانوا بذي الحليفة فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم ويقولون : هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فأنزل الله :

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا : حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ . قال الكلبي : بلغنا أن أبا سفيان وأصحابه مرّ بهم قوم من السفار من التجار ، وبلغوهم أن القوم يأتونهم ، فقالوا للتجار : قولوا لمحمد وأصحابه : إنا راجعون إليكم فقاتلوكم ، فأنزل الله هذه الآية .

قال الكلبي : وبلغنا أن أبا سفيان يوم أحد أراد أن ينصرف قال : يا محمد ، موعد ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى أن نقتتل بها إن شئت . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ذلك بيننا وبينك » فانصرف أبو سفيان وقدم مكة ، فلقي رجلاً من أشجع يقال له : نُعيم بن مسعود ، فقال : أني واعدت محمداً وأصحابه أن يخرج نلتقي بموسم بدر ، فبدا لي ألا أخرج إليهم ، وأكره أن يخرج محمد وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك علي جرأة ، فيكون الخلف من قِبَلهم أحبَّ إلي ، فلك عشرة من الإِبل إن أنت حبسته عني فلم يخرج . فقدم الأشجعي المدينة ، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتجهّزون لميعاد أبي سفيان . فقال : أين تريدون؟ .

قالوا : واعدنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر فنقتتل بها . فقال : بئس الرأي رأيتم؛ أتوكم في دياركم وقراركم فلم يُفلِت منكم إلا الشديد ، وأنتم تريدون أن تخرجوا إليهم ، وقد جمعوا لكم عند الموسم؛ والله إذاً لا يُفلت منكم أحد . فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي منكم أحد » فخرج معه سبعون رجلاً حتى وافوا معه بدراً . ولم يخرج أبو سفيان ولم يكن قتال ، فسوَّقُوا في السوق ، ثم انصرفوا . فهو قوله : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ ، يعني الأشجعي ، ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٦٥

[سورة آل عمران — آية 172]

﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ ﴾ الجرح فى أحج ، أمدح الذين ، او هم الذني ، أو بالذين لم يلحقوا بهم الذين استجابوا ، أو المؤمنين الذين ، او الذين استجابوا لله الخ لمحسنهم المتقين أجر عظيم ، كما قال ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنهُمْ ﴾ بالإعمال الصالحة ﴿ وَاتَّقُوا ﴾ مانهوا عنه ﴿ أَجْرٌ عظِيمٌ ﴾ ومن لم يكن منهم كذلك فلا أجر له ، وإن فرضنا هؤلاء كلهم محسنون متقون فمن للبيان ، وهذا راجح ، أو متعين لقوله عز وجل ، استجابوا ، فذكر الإحسان والاتقاء مدح وتعليل لا قيد ، ولذلك عدل عن مقتضى الظاهر ، وهو أنه يقول لهم أجر عظيم ، وهم من أعظم من يمدح ، إذ خرجوا للقتال مع ما فيهم من جروح جديدة ، تقدم أنه لما ذهب أبو سفيان يوم أحد إلى مكة خرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك من الغد للقتال صبيحة يوم الأحد لست عشرة أو ثمان مضت من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة ، ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخرج أحد معنا إلا من شهد معنا يومنا بالأمس ، فخرج ستمائة وثلاثون رجلا مؤمنا خالصا إلى أن وصلوا حمراء الأسد ، موضع على ثمانية اميال من المدينة على يسار الذاهب إلى ذى الحليفة ، وبه سميت غزوة حمراء الأسد وأقاموا بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجعوا إلى المدينة يوم الجمعة ، وقد غابوا خمسا ، وأذن صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله بن حزام أن يرجع إلى المدينة ليتم على سبع أخوات له ، أمره أبوه بهن ، وقيل : خرج فى جماعة ، لا فى ستمائة وثلاثين وسبب هذا الخروج ما بلغة أن أبا سفيان لما بلغ الروحاء ذاهبا إلى مكة أراد الرجوع إلى المدينة ليستأصل من بها ولم يرجع لرعب فى قلبه ، واشتد هرهبهم فلم يدركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما غزوة بدر الصغرى فمن قابل ، إذ واعد أبو سفيان بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشار إليها فى قوله :

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ نعيم بن مسعود الأشجعى ، عام أريد به خاص إطلاقاً للكل وإرادة البعض ، كقوله تعالى : أم يحسدون الناس ، أى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو للحقيقة ، كما تقول : فلان يشترى النخل ، أو يركب الخيل ولو لم يشتر أويركب إلا واحدة ، أو نعيم ومن وافقه على قوله ، من أهل المدينة ، من المنافقين وضعفاء المؤمنين ، وقيل : الناس ، ركب من عبد قيس ، وأسلم نعيم ﴿ إنَّ النَّاسَ ﴾ أبا سفيان ومن معه ﴿ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ جموعاً ليقاتلوكم ﴿ فَاخْشَوْهُمْ ﴾ أى لا تخرجوا إليهم ، فعبر عن عدم الخروج بملزومه وسببه ، وإلا فالخشية ضرورية لا كسبية ، فلا يؤمر بها لتكسب لما كان عام قابل ، خرج أبو سفيان ومن معه ألفين من قريش حتى نزل بمر الظهران لموعد بدر الصغرى ، فألقى الله فى قلبه الرعب ، وبدا له أن يرجع ، فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة ، فقال : هذا موعدنا لمحمد ، إلا أن العام جدب ، لا شجر يرعى ، ولا لبن يشرب ، فاذهبوا إليه ، فثبطوه ، وقد بدا لى أن أرجع ، فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين ، أو لقى نعيم بن مسعود مستمراً وقال له ذلك ، وجعل له عشر أبعرة إن ثبطهم ، وضمنها لهم سهيل بن عمرو ، ويكنى أبا زيد ، وقال لهم أبو سفيان : إن خرج محمد ولم أخرج زاد جرأة علينا فاجهدوا فى تثبيطه ، فجاءوا المدينة فثبطوا أو جاءها فوجدهم يتجهزون للخوج ، فقال لهم : غلبكم أبو سفيان فى العام الماضى ، ولم يفلت منكم إلا شريد ، وإن ذهبتم إليهم الآن لم يفلت منكم أحد ، وما هذا بالرأى ، فأثر ذلك الكلام فى قلوبهم ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقال : والله لأخرجن إليهم ولو وحدى ، فخرج فى سبعين راكباً ، والباقون يمشون ، أو يتعاقبون ، والجملة ألف وخمسمائة ﴿ فَزَادَهُمْ إيْمَاناً ﴾ زادهم الله ، أو القول ، أى قول الركب ، أو قول نعيم ، أو المقول ، أو القائل الجنس ، أو القائل نعيم ، ونصوص القرآن ، أن الإيمان يزداد بنزول شىء آخر ، وحصول معجزة أخرى ، بإعمال الفكر فى الحجة وزيادة الحجة والعمل ، وقابل الزيادة يقبل النقص ، هذا مذهبنا ، والنقص يكون بالكسل وطول العهد وقسوة القلب ، ومن طبع البشر النقص بطوله ، رأى أبو بكر قوة خشوع قوم أسلموا حادثا ، فقال : كذلك كنا ، ثم قست القلوب ، قال ابن عمر : قلنا يا رسول الله ، الإيمان يزيد وينقص ، فقال صلى الله عليه وسلم : نعم ، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ، وينقص حتى صاحبه النار ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ ﴾ كافينا ، كقول إبراهيم لجبريل حين ألقى فى النار ، حسبى علم الله بحالى ، وقد قال : ألك إلى ّ حاجة ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ هو ومن يوكل الله له الأمر ، أى يترك ، قال أبو هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« إذا وقعتم فى الأمر العظيم فقولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل » ، قال أبو نعيم عن شداد بن أوس عنه صلى الله عليه وسلم ، « حسبى الله ونعم الوكيل ، أمان كل خائف » ، وأخرج ابن أبى الدنيا عن عائشة ، أنه إذا اشتد همه صلى الله عليه وسلم مسح بيده على رأسه ولحيته ، ثم تنفس الصعداء ، وقال : حسبى الله ونعم الوكيل ، ويروى أنه آخر ما قال إبراهيم حين ألقى فى النار .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٦٥