سورة آل عمران · الآية ١٩٨ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
لَٰكِنِ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِینَ فِیهَا نُزُلࣰا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ لِّلۡأَبۡرَارِ١٩٨
الرسم الإملائيّ

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ

الجزء ٤الربع ٣٠ صفحة ٧٦

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 198]

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً ﴾ النزل : ما يقال للنَّازل ، ﴿ مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ ﴾ مما ينقلب فيه الفجَّار من القليل الزائل ، أي : لا بقاء لتمتُّعهم ، لكن ذلك للذين اتقوا .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٩١

[سورة آل عمران — آية 198]

ثم قال : ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ الله ﴾ أي ثواباً من عند الله [ ورزقاً ] أي ثواب الآخرة . ﴿ وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٩١

[سورة آل عمران — آية 198]

﴿ لَكِنِ ﴾ استدراك لرفع ما يوهم أن التجارة مطلقاً توجب جهنم ، فأخبر أن للمؤمنين الجنة ، ولو اتجروا ، وبأن جوعهم وبؤسهم إنما هو لكسب ما هو أعظم من نعم الدنيا وهو الجنة ، وعلماء المعانى يقولون لكن لقصر القلب ، ورد اعتقاء المخاطب أن المؤمنين البائسين فى خسران عظيم لا دنيا لهم ولا جنة لكفرهم بالجنة ﴿ الَّذِينَ اتَقُّوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَألِدِينَ ﴾ يدخلونها يوم لاقيامة مقدرين الخلود ﴿ فِيهَا ﴾ وأما من الآن فلا يوقنون أنهم من أهلها لخوف لاخاتمة فى حق كل واحد ممن لهم يجىء فيه الوحى ، ويجوز إثبات التقدير للخلود بلا حذف على رسم فرض السعادة أى تثبت لهم ، ألا لأهل صفتهم ، ناوين أنهم يخلدون فيها إن كانوا من أهله ﴿ نُزُلاً ﴾ حال من المستتر فى لهم ، العائد إلى جنات ، شبهها بما يُعدّ للنازل من طعام وشراب وصلة ، فلا تزال تزداد خيراً بلا نهاية بعد ذلك ، كما يحتفل للنازل بعد ينزل عليه فجأة كل يوم فى الجنة خي مماقبله أبدا ، ومعناه معد ومهيأ على عجل ، ولا يصح أنه حال من جنات ، لأن جنات مبتدأ ، والحال لا يصح قيداً للابتداء الذى هو العامل ، ويجوز أن يكون حالا من ضمير جنات المستتر فى لهم ، أى ذات نُزُل أو هو جمع نازل على غير قياس ، حال من المستتر فى خالجين ، أو يقدر أنزلوها نزلا من عند الله ، أى نزولا على أنه مفول مطلق ﴿ مِّنْ عِندَ اللهِ ﴾ وما بالك بشىء من الله قابل به وليه مضاد به عدوه ﴿ وَمَا عِندَ اللهِ ﴾ من ثواب الجنة لكثرته وعظمه وهنائه ودوامه ﴿ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ ﴾ مما للكفار من متاع الدنيا لقلته وحقارته وتنغصه وفنائه ، أظهر اسمهم بلفظ الأبرار إشعاراً بأن أعمالهم تقوى وبر ، ونها سبب الثواب ، روى ابن عباس : أنه مات النجاشى ، وملك الحبشة ، فأخبر جبريل عليه لاسلام النبى صلى الله عليه وسلم بموته فى يومه ، فقال للصحابه ، اخرجوا ، صلوا على أخ لكم بأرض الحبشة مات ، وكشف له عن سريره ، وكبر عيه أربعاً واستغفر له ، فقال المنافقون إنه صلى على حبشى نصرانى لم يره قط ، وليس على دينه فنزل قوله تعالى :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِ ، ُ بِاللهِ ﴾ كالنجاشى المذكور بكسر النون وفتحها وإسكان الياء وشدها لغتان ، وقيل الشد غلط ، لأنه ليس نسبا وشد الجيم غلط لا غير ، واسمه أصحمة بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء ، والتاء زائدة من العربية أى عطية الله ، وقيل عطي الضم ، والحبشة يقولونه بالخاء المعجمة ، ولاقول بأن اسمه مكحول بنصعصعة خطأ ، لأن هذا اللفظ عربى وأسلم قبل الفتح ، ومات أيضاً قبله فى رجب عام تسعة ، وكعبد الله بن سلام من اليهود وأربعين من نصارى نجران نم بنى الحارث بن كعب ، وهم من العرب ، واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم على دين عيسى آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه حجة للصلاة على الغائب ، لأن ولو كشف له صلى الله عليه وسلم لم يكشف للصحابة ، وقالت الحنفية إنه لا يصلى على غائب ، وأن ذلك مخصوص بالنبى صلى الله عليه وسلم مع النجاشى تكريماً له ، ألا ترى أنه لم يصل على غيره من الغائبين ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ من القرآن وغيره ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ نم التوراة والإنجيل وغير ذلك ، قدم ما انزل إلينا مع تأخره عما أنزل إليهم لأنه المعيار ، لا عبرة بإيمانهم إن لم يوافقوه ، ولأن ما أنزل إليهم قد نسخ بعضه بالقرآن وقد حرفوه ، فإنما يعتبر ما صححه القرآن ولتعجيل مسرة المؤمنين ، بذكر ما أنزل إليهم ﴿ خَاشِعِينَ لِلهِ ﴾ خاشعين حال من ضمير يؤمن ، مراعاة لمعناه ، وهو الجمع ومن هاء إليهم ، والخشوع بعد النزول ، والخشوع الخضوع ، أو لاخوف والتذلل أو الخوف اللازم للقلب ، قيل تحرز به عن إيمان المنافقين ، لأنه لخوف القتل لا لله ، ويبحث بأنه لا يشمل الإيمان ﴿ لاَ يَشْتَرُونَ بِأيآتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ من الدنيا خوفاً من زوال الرياسة إن لم يكتموا ، ووصف القلة لأن ما أخذوه بدلا من دين اله قليل ولو الدنيا كلها ، وتعريضاً بخستهم إذ باعوا الدائم الكثير الذى فى غاية الجودة بما هوعكس ذلك ﴿ أَوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ مرتين بما صبروا ، يؤتكم كفلين من رحمته ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ يحاسب فى لحظة ، أو فى يوم ، وهو قادر على أقل ، فلزم من ذلك سرعة وصول الثواب إليهم إذا وضع الحساب .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٩١