سورة آل عمران · الآية ٣٦ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّی وَضَعۡتُهَاۤ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّی سَمَّیۡتُهَا مَرۡیَمَ وَإِنِّیۤ أُعِیذُهَا بِكَ وَذُرِّیَّتَهَا مِنَ ٱلشَّیۡطَٰنِ ٱلرَّجِیمِ٣٦
الرسم الإملائيّ

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

الجزء ٣الربع ٢٢ صفحة ٥٤

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 36]

﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ تعظيماً لموضوعها ، والله أعلم بالشيء الذي وضعت ، وما علق به من عظائم الأمور . ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ أجيرهـا ، ﴿ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٢٩

[سورة آل عمران — آية 36]

قوله : ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَالله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ وهي تقرأ على وجه آخر : والله أعلم بما وضعتُ . فمن قرأها بالسكون ، فهو من قول الله ، ومن قرأها بالرفع ، فهو من قولها . قال : ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾ .

قال الكلبي : كانت امرأة عمران قد دخلت في السنّ ، ولم يكن لها ولد ، فحملت ، فجعلت ما في بطنها محرّراً لبيت المقدس . ولم يكن يحرّر في ذلك الزمان إلا الغلمان ، فحرّرته قبل أن تعلم ما هو ، فقال لها زوجها : ويحك ما صنعت؟ أرأيت لو كان أنثى ، وعورة المرأة ما قد علمت ، ما تصنعين؟ فلم تزل في همّ مما قال لها زوجها حتى وضعت ، فقالت : ﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَالله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾ . فلفّتها في خرقة ثم أرسلت بها إلى المسجد ، مسجد بيت المقدس ، فوضعتها فيه ، فتنافسَها الأحبار بنو هارون .

قال مجاهد : حين دخلت عليهم قال لهم زكرياء ، وهو يومئذ رأس الأحبار : أنا أحقكم بها؛ عندي أختها ، فذروها لي . فقالت الأحبار : لو تركت لأقرب الناس إليها لتركت لأمها التي ولدتها؛ ولكنا نقترع عليها ، فهي لمن خرج سهمه . فاقترعوا عليها بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي ، فقرعهم زكرياء فضمَّها إليه ، واسترضع لها ، حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد ، فجعل بابه في وسطه ، لا يرتقى إليها إلاّ بسلّم ، ولا يأمن عليها أحداً غيره .

وقال الحسن : لم يسترضع لها ولم تلقم ثدياً قط ، أنبتها الله بغير رضاع . قال الكلبي : وكانت امرأة زكريا أيضاً عاقراً قد دخلت في السّن ، وزكرياء شيخ كبير ، فهنالك طمع زكرياء في الولد .

قوله : ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ أي أن يضلّها وإياهم .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كل بني آدم يطعنه الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى بن مريم ، ذهب يطعن فطعن في الحجاب » وقال بعضهم : أرأيتم هذه الصرخة التي يصرخها حين تلده أمه ، فإنها منه . وذكروا عن بعضهم قال : كل آدمي طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى وأمه ، جعل بينهما وبينه حجاب ، فأصابت الطعنة الحجاب ، ولم ينفذ إليها بشيء .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٢٩

[سورة آل عمران — آية 36]

﴿ فَلَمَّا وَضَعْهَا ﴾ أى وضعت ما فى بطنها ، ولفظ ما مذكر ، وأنثه لأن هذا من كلام الله ، وهو عالم بأن ما فى بطنها أنثى ، فراعى جانت المعنى ، وليس نفى بعض لهذا الوجه صحيحاً ، ويجوز أن يكون التأنيث باعتبار ما بعد ولادتها ، ويناسب التأنيث وضوحه فى الجواب ، كما يؤنث المبتدأ لتأنيث الخبر ولو كان ضمير المذكر ، وحاصل ذلك كله أنه أنث باعتبار الواقع ﴿ قَالَتْ رَبِّ ﴾ يا رب ﴿ إننِّى وَضَعْتُهَا ﴾ أى وضعته ، أى وضعت ما فى بطنى ، وأنت لما ذكرت ولاعبتار الحال ، وهو كالخبر ، وهو قوله ﴿ أُنثَى ﴾ لقاعدة ، أن كل ضمير وقع بين اسمين ، مذكر ومؤنث مدلولهما واحد ، يجوز تذكيره وتأنيثه ، لا باعتبار كون المتكلم عالما بالأنوثة ، فضلا عن أن يلزم كون أنثى حالا عنه لغوا ، أو التأنيث فى الموضعين باعتبار أن ما فى بطنها نفس ، أو جملة ، وأن النفس أو الحبلة ولو مؤنثين يطلقان على الذكر والأنثى ، فبين الأنوثة بقوله أنثى ، و هو حال من ها ، ويجوز أن يكون بدلا منهما ﴿ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ بأنوثة ما وضعت ، ولكن ذكرت إنى وضعتها أنثى تحسرا على عدم الذكر الذى الذى قصدت لخدمة بيت المقدس ، واستجلابا للقبول بخضوع فلذا جوزيت بالقبول ، وأن هذا الأنثى كالذكر ، والكلام المنحصر فى الفائدة أو لازمها إنما هو الخبر ، ها إنشاء ، والإنشاء لا يكون معناه الفائدة ولا لازمها ﴿ وَلَيْسَ الَّذكَرُ كَالأُنثَى ﴾ هذا من كلام الله ، لا من كلامها ، معترض فى كلامها ، معترض فى كلامها ، أى ليس الذكر المعهود الذى طلبت كالأنثى المعهودة التى أعطيت ، بل الأنثى التى أعطيت أفضل لمزايا يضعها الله تعالى فيها ، وإن كانت لا تصلح لخدمة البيت ، ويجوز أن يكون من باب القلب ، أى ليس مطلق الأنثى أو هذه الأنثى الموضوعة كمطلق الذكر المطلوب إذ لا تصلح لخدمة البيت ، فقلب ليفيد نكتة ، هى إيهام التعبير الأول من أن بعض أفراد النساء لكمالها أفضل ، أو جعل بالنسبة غليها مشيها ، ويجوز أن يكون من كلامها على القلب تضرعا منها ، فقلبه الله عنها لنكتة ، أو على معنى أن مراد الله أفضل من مرادى تعظما لعطيته تعالى ، ويجوز أن يكون بلا قلب من كلام الله أو كلامها على أنه لا يشبه الذكر بالأنثى ، لأنه أفضل ، وليسا سواء ﴿ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ تقربا إلى الله عز وجل لعصمتها ، وأن تكون من العابدات ، فإن مريم فى لغتهم العابدة الخادمة لله عز وجل ولو لم تصلح لخدمة البيت ، لأنها ولو خدمت ، لكن يقطعها الحيض ، وذلك بقاء على نية الخير وقصده بما فى بطنها ولا يخفى أن التسمية باسم العبادة لله إذا كان لحب الله ، وعبادته تقربٌ ناشىء عن القلب ، وقيل ، مريم معرب مارية ، بمعنى جارية فى لغتهم ، والتسمية قبل السابع جائزة كما فى الآية ﴿ وَِنِّى أُعِيدُهَا ﴾ أمنعها ﴿ بِكَ ﴾ يا رب ﴿ وَدُرِّيَّنَهَا ﴾ وقدمت بك لمزيد اعتنائها بمريم ﴿ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ أى المرجوم ، أى المطرود ، وذلك استعارة على الصحيح ، وقيل الرجم بمعنى الطرد حقيقة ، ولا يدل لذلك كلام القاموس ، لأنه يذكر المجاز فى معانى الكلمات ، مثل أن يقول ، الأسد السبع والشجاع ، واستجاب فى جنبيه بإصبعيه حين يولد غير ابن مريم فإنه ذهب ليطعن فطعن فى الحجاب ، أى المشيمة ، وقيل ، حجاب من الملائكة مما يلى الأرض ، وقد يبس عن ظاهرها لدوران الملائكة عليه ، وذلك منها يتضمن الدعاء بجانها حتى تلد .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٢٩