سورة آل عمران · الآية ٤١ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّیۤ ءَایَةࣰۖ قَالَ ءَایَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَیَّامٍ إِلَّا رَمۡزࣰاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِیرࣰا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِیِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ٤١
الرسم الإملائيّ

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ

الجزء ٣الربع ٢٢ صفحة ٥٥

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 41]

﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ﴾ أن لا تقدر على كلام الناس ، ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ الإشارة بعضو ، أو إنما خص تكليمُ الناس ، ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم ، خاصة مع إبقاء قدرته على التكلَّم بذكر الله ولذا قال : ﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ يعني : بالتسبيح ، صلاة الفرائض ، أو دُمْ فِي كل وقتك .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٣٤

[سورة آل عمران — آية 41]

﴿ قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ . قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ أي : إلا إيماء . فعوقب ، فأخذ عليه بلسانه في تفسير الحسن . وقال غيره : فجعل لا يفيض الكلام إلا ما أومأ إيماء .

وقال بعضهم : إنما عوقب لأن الملائكة شافهته مشافهة ، فبشّر ته بيحيى مشافهة ، فسأل الآية بعدما شافتهه الملائكة . فقال الله : ﴿ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ أي إلا إيماء . قال مجاهد : بالشفتين : وقال الكلبي : بالشفتين والحاجبين واليدين .

قوله : ﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ وَالإِْبْكَارِ ﴾ يعني الصلاة .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٣٤

[سورة آل عمران — آية 41]

﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ لم يخاطب الملك المبشر له إعظاما لله عز وجل بإلغاء الوسائط ﴿ أَنَّى ﴾ كيف أو من أين ﴿ يَكُون لِى غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَفَنِى الْكِبَرُ ﴾ تسع وتسعون سنة ، أو اثنتان وتسعون سنة ، أو خمس وثمانون ، أو خمس وسبعون ، أو سبعون أو ستون ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما مائة وعشرون ﴿ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ ﴾ وكبيرة السن ، ثمان وتسعون ، وأصل العقر المطع فاعل للنسب كلا بن ، وذلك استبعاد بالنسبة إلى العادة مع إيمانه بقدرة الله على ذلك ، واستعظام وتعجب أو استفهام حقيقى ، يا رب أتردنى وإياها إلى الشباب وتزيل عقمها أم تبقينا على حالنا ، وتزيل عقهما ، أم ترزقنى الولد من ارمأة شابة ، وقيل ، استفهم الولد بالتبنى أم من الصلب ، وفيه ، أنه سأل من الصلب ، فلعله ذهل لعظم الأمر ، وهذا كله يتصور مع دعائه الله فى الولد لا منافيه لما مر ، وأما ما قيل ، إنه دعا فيه قبل بشارته بأربعين عاما أو ستين ، فقال : أنى يكون لى الخ فبعيد جدا ولا سيما مع ظاهر التعقيب فى عز وجل : فنادته الخ وأجابه الله عز وجل بأنه يبقيهما على حالهما من الشيخوخة ويولدهما كما هو المراد فى قوله تعالى ﴿ قَالَ ﴾ جبريل ، أو الله ، وهو أنسب بقوله ، قال : رب أنى يكون لى غىم ، بل يتعين ﴿ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآء ﴾ أى الأمر كذلك ، أى يخلق الله منكما غلاماً وأنت شيخ فان ، وزوجك عجوز عاقر ، واحتج على ذلك بقوله الله يفعل مايشاء ، لا يعجزه شىء ، أو يخلقه منكما وأنتما كذلك بحالكما ، أو شأن الله كذلك ، فبينه بقوله : يفعل ما يشاء ، أو يفعل ما يشاء مثل ذلك ، قيل : كان بين البشارة وولادة يحيى زمان مديد ، لأن سؤال الولد والبشارة فى صغر مريم ، ووضعه بعد بلوغها ثلاث عشرة سنة ، هى زمان حملها بعيسى ، وقيل : حملت عيسى بنت عشر سنين ، ولما تاقت نفسه للولد المبشر به قال ما ذكر عنه فى قوله تعالى :

﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّى ءَايَةً ﴾ علامة على حملة لأزيد شكراً ، وأفرح ، فقوله : أنى يكون لى الخ بمعنى أتلد مع بقاء شيخوختنا ، أم بالرد إلى الشاب ، وأيضاً من استبعد الشىء يدهش بحصوله ، وبقول : من أين وكيف هو ، وأيضاً بشر بيحيى ولم يعلم أمن صلبه أو بالتبنى ، وايضاً من يرغب فى شىء يلتذ بتكرير الإجابة إليه ، أو نسى الإجابة لطول مدتها على ما مر ، أو قال له الشيطان عند سماع البشارة ، إن هذا الصوت من الشيطان ، ومراده أن يريه آية فلا يكون من الشيطان ، فلهذه الأوجه ساغ أن يقول ، أنى يكون الخ ، ولاوحى لا يلتبس بكلام الشيطان ولو فى مصالح الدنيا والولد ﴿ قَالَ ءَايتُكَ ﴾ الآية التى تطلب على حملة ﴿ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ﴾ لا تقدر أن تكلمهم ، قهرا من الله ، ولو أردت تكليمهم ، وهو أنسب ، لكون آية وأوفق لما فى مريم ، كما روى ابن جرير وابن ابى حاتم أنه ربا لسانه حتى ملأفاه ، واحترز بالناس عند ذكر الله ، فإنه ينطق لسانه به ، يبعد أن عدم التكلم كناية عن الصوم ، وكانوا إذا صاموا لم يتكلموا ، ويجد أن خرس لسانه عقوبة ، إذ طلب الآية بعد تبشير الملائكة من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وهو مردود ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ﴾ بلياليها ، كما قال ثلاث ليال سويا؛ ينطلق فيهن لسانك بالذكر ولاشكر مقتصرا عليهما قضاء لحق نعمة رزق الحمل ، وأحسن الجواب ما أخذ منه وجهه كما هنا ، فإنه لما طلب الآية للشكر قيل له ، آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر ، وأيضا لما سأل آية لأجل الشكر أجيب بأنه لا يقدر إلا على الشكر ، فلا يقدر على كلام الدنيا ، وليس فى قوله تعالى ، رب اجعل لى آي ما يشعر بأن طلبها للشكر ، بل يشعر به المقام ، لأنه لما أزيل الاستبعاد ولم يبق لطلب الآية إلا القيام بالشكر ﴿ إلاّ رَمْزاً ﴾ إشارة بيد أو اجب أو عين أو رأس أو تحريك الشفتين ، أو كتابة على الأرض ، أو إشارة بالمسبحة ، أو صوت خفى ، ويقال ، الإشارة باليد والوحى بالرأس ، والصحيح أن تسمية ذلك كلاما مجاز ، وإن أريد بتكليم الناس عموم الإفتتاح عما فى القلب ، ولو بلا لفظ كان استثناء متصلا ، ولا يلزم أن يرجع كل منقطع إلى متصل بالتأويل ، فلا يبقى منقطع ، فانظر ، كم تجد من منقطع لا يقبل التأويل بالاتصال البتة ، وكم من منقطع لا يقبله إلا بتكلف ، بخلاف ما هنا فإنه صحيح بلا تكلف ﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً ﴾ فى هذه الأيام الثلاثة التى أحبس فها لسانك إلا عن الذكر شكرا لهذه النعمة ، أو مطلقا ، وقيل أيام الحمل لتعود بركة الذكر على الجنين ، وفى الآية عطف الإنشاء الفعلى على الإخبار الإسمى ، ووجه ذلك أن الجملة الأولى بمنزلة الفعلية الأمرية ، أى اسكت وأنت قادر على الكلام ، واذكر ربك ، لكن هذه على أن السكون على اختيار ، أو يقدر ، ارتقب ذلك ، وذاكر أو اشكر واذكر ، وكثيرا مفعول مطلق أى ذكرا كثيرا ، لا ظرف ، أى زمانا كثيرا ، لأنه قد ذكر أن الزمان ثلاىثة أيام ، ومعلوم أن الذكر فيها لا فى زمان كثير ، ولا كثرة ذكر إلا باعتبار اذكر ربك فى أكثر ساعات الأيام الثلاثة ﴿ وَسَبِّحْ ﴾ صل كثيرا ما لم تحرم الصلاة بقرب الغروب ﴿ بِالعَشِىِّ ﴾ مفرد ، وقيل ، المفرد عشية ﴿ وَالأبْكَارِ ﴾ كثيراً ، أو استمر عليها وحين تجوز الصلاة ، ما لم تحرم بقرب الزوال ، مصدر أبكر ، نائب عن الزمان ، كأنه قيل وقت الإبكار ، كأنه قيل ، صل إبكارا ، بكسر الهمزة ، كجئت طلوع الشمس ، وقرىء بقتح الهمزة جمع بكر بفتح الباء والكاف ، كسحر وأسحار ، أو جمع بكرة ، بضم وإسكان شذوذا ، وإن أريد بالتسبيح مطلق التسبيح ولو بلا صلاة فهو يستح ولو قرب الزوال والغروب ، فيكون المراد بالعشى والإبكار عموم الأوقات قدر الطاقة ، ولو كان العشى من الزوال ، أو من العصر ، أو من المغرب ، أو صار ذهاب صدر الليل ، والبكرة أو النهار .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٣٤