سورة آل عمران · الآية ٤٥ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ یَٰمَرۡیَمُ إِنَّ ٱللَّهَ یُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةࣲ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِیحُ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ وَجِیهࣰا فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِینَ٤٥
الرسم الإملائيّ

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ

الجزء ٣الربع ٢٢ صفحة ٥٥

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 45]

﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ بآيـة ﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً ﴾ ذا جاه وقدر ، لأنه إمام المتقين ﴿ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ لأن كلَّ من أطاع الله ، فهو وجيه في الدينا والآخرة ؛ لكن للعاملين درجات على قدر الأعمال ، ﴿ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٣٨

[سورة آل عمران — آية 45]

قوله : ﴿ إِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ قال الحسن : مُسِحَ بالبركة . ﴿ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ أي عند الله يوم القيامة .

بلغنا عن عبد الله بن سلام قال : إذا كان يوم القيامة ووضع الجسر على جهنم ، جاء النبيّون على مراكزهم ، فيكون أولهم مركز نوح ، وآخرهم مركز محمد عليه السلام . فيجيء المنادي [ فينادي ] ، أين محمد وأمته؟ فيقدمون حتى يأخذوا الجسر ، فينجو النبي والصالحون ، ويسقط من يسقط . فإذا جازوا تلقتهم الملائكة ينزلونهم منازلهم على يمينك ويسارك . ثم ينطلق بمحمد فيستأذن في دار الله ، أي الجنة ، فيؤذن له ، فيوضع له كرسي عن يمينه . ثم يجيء المنادي فينادي : أين عيسى وأمته؟ فيقدمون حتى يأخذوا الجسر ، فينجو النبي والصالحون ، ويسقط من يسقط . فإذا جازوا تلقَّتهم الملائكة ينزلونهم منازلهم على يمينك وعلى يسارك . ثم يأتي عيسى فيستأذن فيؤذن له ، ويوضع له كرسي عن يساره ، ثم النبيّون كذلك حتى يكون آخرَهم نوح صلى الله عليهم أجمعين .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٣٨

[سورة آل عمران — آية 45]

﴿ إذْ قَالِتٍ المَلاَئِكَةُ ﴾ جبريل ، أو هو وجماعته ﴿ يَامَرْسَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ ﴾ زمان التبشير وزمان الاختصام ، وساع التبشير فى بعض ، والاختصام فى بعض منه سابق بمدة طويلة كما مر ، وذلك كما يقال ، كان كذا وكذا يوم كذا ، أو شهر كذا أو عام كذا ، أو قرن كذا ، واحد فى وقت ، والآخر فى وقت من ذلك ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ ولد ، يكون بكلمة كن كما مر بيانه بلا أب ، كقوله تعالى فى آدم ، ثم قال له كن ، وقيل ، سمى لأن الله يهدى به كما يهدلا بكلمته سبحانه . قال نصرانى حاذق طبيب لعلى بن الحسين الواقدى بحضرة الرشيدن إن فى كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله ، وتلا قوله تعالى ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فقرأ الواقدى : وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه ، فيلزم أن الأشياء جزء منه تعالى ، فانقطع النصرانى وفرح الرشيد فرحا شديدا ، وأعطى الوقادى صلة فاخرة ﴿ اسْمُهُ ﴾ اسم الكلمة ، وذكرهاه لأنها عيسى ، ولأن الخبر مدكر ، وهو قوله ﴿ الْمَسِيحُ ﴾ لقب يدل على المدح ، معناه المبارك فى العبرية ، وأصله فيها مشيحا ، وقيل ، لفظ عربى مشتق من المسح ، إذ مسح بالبركة أو بالتطهير من الذنوب ، أو مسحه جبريل يحتاجه صوتا من الشيطان وقت الولادة ، أو بيده تبركا به ، أو كان ممسوح القدمين ، لا أخمص لهما ، أو ممسوح بدهن من الله ، تمسح به الأنبياء فقط حال لاولادة ، تعرفهم الملائكة أنبياء به ، أو خرج من بطن أمه ممسوحا بدهن ، أو مسح جهه بالملاحة ، فعيل بمعنى مفعول ، والميم أصل لا زائد ، أى لأنه يمسح الأرض ، أو يقطعها ، لا يقيم فى موطن ، او لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ ، أو لأنه يمسح رأس اليتيم لله عز وجل ، والزائد الياء ، أو لأنه يسيح فى الأرض ، فالزائد الميم ، فعيل بمعنى فاعل ﴿ عَيسَى ﴾ عطف بيان أو بدل ، أو هو عيسى ، فليس اسمه مجموع قوله المسيح عيسى ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ كما قيل ، فالمسيح ، لقبه ، وعيسى اسمه ، وابن مريم كنيته ، والنمشهور أن الاشتقاق لا يدخل الأسماء العجمية ، وقيل ، التحقيق دخوله إياها ، كما تشاهد فيها المعانى المثدرية والأفعال الماضية والمستقبلة والأمر ، وأقول لا محيد عن ذلك إلا أنه ليس يجوز أن يدعى لفظ عجمى مشتق من لفظ عربى باعتبار المعنى ، مثل أن يقال عيسى عبرانى مشتق من العيس ، وهو البياض ، وكان أبيض إلى حمرة ، وخاطبوا مريم بنسبته إليها إيذانا بأنه يكون بلا أب ، وإيذانا بكنيته ، والمعتاد نسبة الناس إلى الآباء ، ولذلك نسب إليها ولم يقولوا ابنك ﴿ وَجِبهاً ﴾ ذا جاه ، أى قوة ومنعة وشرف ، وقيل وجاهته أنه لا يرد سائلا ، وقيل إنه نبى ، وأنه تقبل شفاعته فى الآخرة ، وقبول دعائه ، وإبراء الأكمه والأبرص وقيل براءته مما رمته اليهود به ، وهو من الوجه ، لأنه أشرف الأعضاء ، والجاه مقلوب منه ، وكذا قال فى موسى ، كان وجهها ، وهوحال من كلمة ، أو من ضميرها فى الاستقرار ، لأن منه نعت كلمة ، وهى حال مقدرة لأن وجاهته تأتى بعد ﴿ فِى الدُّنْيَا ﴾ بالنبوة وشفاء الآفات ، وبراءته مما قالت اليهود ، كما برىء موسى مما قالت اليهود ﴿ وَالأَخِرَةِ ﴾ بالشفاعة فى أمته المحقين ، وكثرة ثوابه وعلو درجته ﴿ وَمِنَ الْمُقَرَبِينَ ﴾ وكائنا من المقربين عند الله ، ودنيا وآخرة ، ومن هذا رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة وقبول كلامه .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٣٨