سورة الروم · الآية ٢ من ٦٠

‹ السورة السابقة
غُلِبَتِ ٱلرُّومُ٢
الرسم الإملائيّ

غُلِبَتِ الرُّومُ

الجزء ٢١الربع ١٦٢ صفحة ٤٠٤

تفسيرها

[سورة الروم — آية 2]

﴿الم ، غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ بإظهار دينه على سائر الأديان ، ﴿يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: من وعده ، بنصر أوليائه ، ويخذل أعدائه ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعده ، لجهلهم ،وعدم تفكيرهم . ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: أمر معايشهم ، كيف يتجرون ويكتسبون ، ومتى يعرشون ويحصدون ، وكيف يبنون ، وكيف سبقوا علماء الآخرة بهذه الأحوال ، ولم يفهموا ما يخلصهم من عذاب الله ، لأنه لم يهمهم ، وكذلك لا يعلمون حقائق الدنيا ، ولا لما خلقت له ، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ التي هي غايتها ، والمقصود منها ، ﴿هُمْ غَافِلُونَ﴾ تقريرا لجهالتهم ، وتشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدنيا ببعض ظاهرها ، فإن من العلم بظاهرها معرفة حقائقها ، وصفاتها ، وخصائصها ، وأفعالها ، وأسبابها ، وكيفية صدورها منها ، وكيفية التصرف فيها ، ولذلك نكر"ظاهرا" ، وأما باطنها ، فإنها مجاز إلى الآخرة ، ووصلة إلى نيلها ، وأنموذج لأحوالها ، وإشعارا بأنه لا فرق بين العدم والعلم الذي يختص بظاهر الدنيا ، وكان في المعنى: بقدر إقبالهم على علم ظاهر الحياة الدنيا ، إدبار منهم على علم الآخرة.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١١

[سورة الروم — آية 2]

قوله : ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ أي : قد غلبتهم فارسُ ﴿ فِي أَدْنَى الأَرْضِ ﴾ أي : في أدنى الروم ، بأذرعات من الشام ، بها كانت الوقعة . فلما بلغ ذلك أهلَ مكة شَمِتوا أن غلب إخوانُهم أهلَ الكتاب . وكان المسلمون يعجبهم أن يظهر الروم على فارس ، لأن الروم أهلُ كتاب . وكان مشركو العرب يعجبهم أن يظهر المجوس على أهل الكتاب .

قال الله : ﴿ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ يعني الروم ، من بعد ما غلبتهم فارسُ سيغلبون فارسَ . ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ ﴾ أن يهزم الروم ﴿ وَمِن بَعْدُ ﴾ ما هزمت . ﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ أي : يغلب الرومُ فارسَ ﴿ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ .

قال أبو بكر للمشركين : لِمَ تَشْمَتون ، فوالله ليظهرن الروم على فارس إلى ثلاث سنين فقال أبي بن خلف : أنا أبايعك ألا تظهر الروم على فارس إلى ثلاث سنين . فتبايعا على خَطَر سبع من الإِبل . ثم رجع أبو بكر إلى النبي عليه السلام فأخبره . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اذهب فبايعهم إلى سبع سنين ، مُدَّ في الأجل وزِدْ في الخَطَر » .

ولم يكن حرم ذلك يومئذ؛ وإنما حرم القمار ، وهو الميسر ، والخمر بعد غزوة الأحزاب . فرجع أبو بكر إليهم فقال : اجعلوا الوقت إلى سبع سنين وأزيدكم في الخَطَر . ففعلوا ، فزاد في الخطر ثلاثاً فصارت عشراً من الإِبل ، وفي السنين أربعاً ، فكانت السنون سبعاً ، ووقع الخطر على يدي أبي بكر .

فلما مضت ثلاث سنين قال المشركون : قد مضى الوقت ، وقال المسلمون : هذا قولُ ربّنا ، وتبليغُ نبيّنا ، والبِضْع ما بين الثلاث إلى التسع ما لم يبلغ العشر ، والموعود كائن .

فلما كان تمام سبع سنين ظهرت الروم على فارس ، وكان الله وعد المؤمنين إذا غلبت الروم فارس أظهرهم الله على المشركين ، فظهرت الروم على فارس والمؤمنون على المشركين في يوم واحد ، وهو يوم بدر ، وفرح المسلمون بذلك وصدق الله قولهم وقول رسوله ، وهو قوله : ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ . قال : ﴿ وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مات كسرى فلا كسرى بعده وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده . يعني ملك الروم بالشام » .

ذكروا عن عقبة بن نافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم » فكان عقبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج الدجال حتى تفتح الروم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١١

[سورة الروم — آية 2]

﴿ الم غلبَتِ الرُّوم ﴾ ذرية روم بن يونان بن علجان بن يافث ابن نوح عليه السلام ، او روم بن يافان بن يافث ، او روم بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم ، غلبهم فارس ﴿ فى ادْنى الأرْض ﴾ فى اقرب ارض الروم الى مكة ورجحه ابن حجر ، او فى أقرب مكة ونواحيها الى الروم ، او فى اقرب ارض الروم او فارس ، لان الحرب وقعت بين اذرعات وبصرى ، وقال ابن عباس : فى الاردن وفلسطين ، وقيل : فى جزيرة ابن عمر تجرى هذه الاقوال على ما مرقبلها ، وعبارة بعض او ادنى الارض ، قرب ارض الشام الى فارس ، وقيل : اذرعات ، وقيل : الاردن : وقيل : الجزيرة .

﴿ وهُمْ مِن بَعْد ﴾ متعلق بالفعل بعده ﴿ غَلبَهم ﴾ من بعد ان كانوا مغلوبين ، على ان الغلب مصدر من المبنى للمفعول مضاف الى نائب الفاعل ، او من بعد ان غلبهم فارس ، فهو مصدر مضاف للفاعل ، والاول اولى لمناسبة غلبت بالبناء للمفعول ﴿ سيَغْلبِون ﴾ تكون الروم غالبة لعدوهم فارس ، وقال : هم ، ولم يقل : ومن بعد غلبهم سيغلبون لتأكيد غلبتهم لفارس ، وقيل : ان هرقل عادل خائف لله تعالى لما راى فساد الفرس فى بلاده بالنهب والقتل تضرع الى الله ان ينجى الروم منهم ، فجئ اليه فى نومه ليلة بخسرو ، فى عنقه سلسة فقيل له : عجل بقتال برويز تنصر ، فعسكر من قسطنطينة الى نصبين فقابلهم خسرو باثنى عشر الفا ، مع امير فقتل هرقل منهم تسعة آلاف ، وهزموهم حتى ربطوا خيلهم بالمدائن .

ويروى ان كسرى بعث الى اميره شهريا الذي ولاه على محاربة الروم ان اقتل اخاك فرخان لقوله : رايتنى في النوم جالسا على سرير كسرى ، فلم يقتله ، فراجع شهريار كسرى مرتين بعد الاولى ان فرخان يسعى فى صلاحك ، فكيف اقتله ، فبعث كسرى الى فارس ان عزلت شهريار ، وجعلت مكانه اخاه فرخان ، وامره بقتل اخيه شهريار ، فاطلع فرخان على ذلك المذكور من مراجعة شهريار كسرى ، بان لا يقتل فرخان فرد الملك لاخيه شهريار ، وكتب شهريار الى قيصر ملك الروم ، فتعاونا على كسرى فغلبوه .

وقبل ذلك قتل الروميون سخهم ابنه بناطوس ، وهرب ابنه الاخر الى خسرو ، وقد مضى من سلطنة خسرو واربع عشرة سنة فبعث معه ، ثلاثة امراء مع عسكر عظيم ، فدخلوا الشام ، فاسروا من فلسطين وبيت المقدس من الاساقفة وغيرهم ، وارسلوا الى خسروا الصليب المدفون فى تابوت من ذهب ، واستولوا على الاسكندرية بلاد النوبة ، ووصلوا الى نواحى القسطنطينية ، وهذه غلبة الفرس للروم ، وهى الاولى ، والغلبة الثانية غلبة الروم لهم ، وكلتاهما على عهد خسرو .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١١