فِی بِضۡعِ سِنِینَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَیَوۡمَئِذࣲ یَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ٤
الرسم الإملائيّ
فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
الجزء ٢١الربع ١٦٢ صفحة ٤٠٤
تفسيرها
﴿الم ، غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ بإظهار دينه على سائر الأديان ، ﴿يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: من وعده ، بنصر أوليائه ، ويخذل أعدائه ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعده ، لجهلهم ،وعدم تفكيرهم . ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: أمر معايشهم ، كيف يتجرون ويكتسبون ، ومتى يعرشون ويحصدون ، وكيف يبنون ، وكيف سبقوا علماء الآخرة بهذه الأحوال ، ولم يفهموا ما يخلصهم من عذاب الله ، لأنه لم يهمهم ، وكذلك لا يعلمون حقائق الدنيا ، ولا لما خلقت له ، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ التي هي غايتها ، والمقصود منها ، ﴿هُمْ غَافِلُونَ﴾ تقريرا لجهالتهم ، وتشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدنيا ببعض ظاهرها ، فإن من العلم بظاهرها معرفة حقائقها ، وصفاتها ، وخصائصها ، وأفعالها ، وأسبابها ، وكيفية صدورها منها ، وكيفية التصرف فيها ، ولذلك نكر"ظاهرا" ، وأما باطنها ، فإنها مجاز إلى الآخرة ، ووصلة إلى نيلها ، وأنموذج لأحوالها ، وإشعارا بأنه لا فرق بين العدم والعلم الذي يختص بظاهر الدنيا ، وكان في المعنى: بقدر إقبالهم على علم ظاهر الحياة الدنيا ، إدبار منهم على علم الآخرة.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١٣
قوله : ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ أي : قد غلبتهم فارسُ ﴿ فِي أَدْنَى الأَرْضِ ﴾ أي : في أدنى الروم ، بأذرعات من الشام ، بها كانت الوقعة . فلما بلغ ذلك أهلَ مكة شَمِتوا أن غلب إخوانُهم أهلَ الكتاب . وكان المسلمون يعجبهم أن يظهر الروم على فارس ، لأن الروم أهلُ كتاب . وكان مشركو العرب يعجبهم أن يظهر المجوس على أهل الكتاب .
قال الله : ﴿ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ يعني الروم ، من بعد ما غلبتهم فارسُ سيغلبون فارسَ . ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ ﴾ أن يهزم الروم ﴿ وَمِن بَعْدُ ﴾ ما هزمت . ﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ أي : يغلب الرومُ فارسَ ﴿ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ .
قال أبو بكر للمشركين : لِمَ تَشْمَتون ، فوالله ليظهرن الروم على فارس إلى ثلاث سنين فقال أبي بن خلف : أنا أبايعك ألا تظهر الروم على فارس إلى ثلاث سنين . فتبايعا على خَطَر سبع من الإِبل . ثم رجع أبو بكر إلى النبي عليه السلام فأخبره . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اذهب فبايعهم إلى سبع سنين ، مُدَّ في الأجل وزِدْ في الخَطَر » .
ولم يكن حرم ذلك يومئذ؛ وإنما حرم القمار ، وهو الميسر ، والخمر بعد غزوة الأحزاب . فرجع أبو بكر إليهم فقال : اجعلوا الوقت إلى سبع سنين وأزيدكم في الخَطَر . ففعلوا ، فزاد في الخطر ثلاثاً فصارت عشراً من الإِبل ، وفي السنين أربعاً ، فكانت السنون سبعاً ، ووقع الخطر على يدي أبي بكر .
فلما مضت ثلاث سنين قال المشركون : قد مضى الوقت ، وقال المسلمون : هذا قولُ ربّنا ، وتبليغُ نبيّنا ، والبِضْع ما بين الثلاث إلى التسع ما لم يبلغ العشر ، والموعود كائن .
فلما كان تمام سبع سنين ظهرت الروم على فارس ، وكان الله وعد المؤمنين إذا غلبت الروم فارس أظهرهم الله على المشركين ، فظهرت الروم على فارس والمؤمنون على المشركين في يوم واحد ، وهو يوم بدر ، وفرح المسلمون بذلك وصدق الله قولهم وقول رسوله ، وهو قوله : ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ . قال : ﴿ وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مات كسرى فلا كسرى بعده وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده . يعني ملك الروم بالشام » .
ذكروا عن عقبة بن نافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم » فكان عقبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج الدجال حتى تفتح الروم .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١٣
﴿ فى بضْع سِنينَ ﴾ البضع ما بين الثلاث الى العشر ، او ما بين الواحد الى التسع ، او ما فوق الخمس الى ما دون العشر ، او ما بين العقدين فى جميع الاعداد ، روى ان فارس غزوا الروم فغلبوهم فى اذرعات بصرى ، وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، وهم فى مكة ، لان فارس ليسوا اهل كتاب وهم مجوس ، وفرح المشركون وقالوا : نظهر عليكم ولسنا باهل كتاب ، كما ظهر اخواننا على الروم ، فنزلت الاية فقال ابو بكر : لا تفرحوا فوالله ليظهرن الروم على فارس ، اخبرنا نبينا بذلك ، فكذبه ابى بن خلف فقال له ابو بكر رضى لله عنه : انت الكاذب ، تعال اناحبك على عشر قلائص تعطينيها ان غلبت الروم فارس ، واعطيكها ان غلبتهم فارس الى ثلاث سنين ، والنحب : العطاء .
وحاصله اراهنك بها ، فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إنما البضع ما بين الثلاث الى التسع » ، فقيل هكذا البضع ابدأ فقيل بدخول التسع ، وقيل هذا فى الاية واما مطلقا فما بين العقدين فزايده فى الاجل ولاقلائص ، فجاءه فقال : اندمت يا ابا بكر؟ قال : لا لكن نزيد فجعل الاجل تسع سنين والقلائص مائة ، ولما اراد الهجرة طلب منه ابى الكفيل ، فكفله ابنه عبدالرحمن ، ولما اراد الخروج للقتال لعنه الله ، طلب منه عبدالرحمن وهو يومئذ في مكة الكفيل ، فاعطاه كفيلا ومات بجرح جرحه النبى صلى الله عليه وسلم ، وظهرت الروم فى السنة السابعة .
ويفال يوم الحديبية ، واخرج الترمذى يوم بدر ، وبه قال ابو سعيد الخدرى ، فاخذ الصديق القلائص من ورثة ابى ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : « تصدق بها » وعن البراء تصدق بها فانها سحت ، وذلك قبل تحريم القمار ونزول القتال والسبى ، فهى حلال يومئذ قبل النسخ ، الا ترى انه صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن المراهة ، بل اثبتها بالمزايدة ، انما امره بالصدق بها تنزيها لمروءة الصديق عنها ، وتسميتها سحتا تشبيه لا حقيقة ، واسلم كثير من الناس لما صدق وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك من دلائله .
﴿ لله ﴾ لا لغيره ﴿ الأمرُ ﴾ القضاء ﴿ من قبلُ ومن بعدُ ﴾ اذا قيل من قبل الغلبة اى غلبة الفرس للروم ، ومن بعدها لم يكن فى الاية الا ذكر ذلك ، فالاولى ان المعنى من قبل كون الروم غالبين ، وهذه الغلبة وقت كونهم مغلوبين ، ومن بعد كونهم مغلوبين ، وهذه البعدية وقت كونهم غالبين ﴿ ويومئذ ﴾ يوم اذ يغلب الروم الفرس ، فاذا هنا للاستقبال ، ويوم متعلق بما بعده ، قدم بطريق الاهتمام بوقت النصر ، ويجوز عطفه على قبل او بعد ، فتتم الازمنة الثلاثة : الماضى بقبل ، والمستقبل ببعد ، والحاضر بيومئذ فيستأنف على هذا قوله :
﴿ يفْرحُ المؤمنُون بنصْر الله ﴾ الروم اهل كتاب مثلهم على الفرس لا كتاب لهم كأهل مكة ، فيتغاظون ، او نصرة تصديق للمؤمنين فى سيغبون ، او القاء الفتنة بين الفرس حتى اعان بعضهم الروم كما مر ، كذلك يقال والتحقيق ان المراد نصر الله الروم على فارس ، والنصر متصور بذلك على الاطلاق ﴿ ينْصُر من يشاء ﴾ هؤلاء وغيرهم ، وتلك الايام نداولها بين الناس ﴿ وهُو العَزيزُ ﴾ لا يعجز عن الننصر ، ولا يرد نصره شئ ﴿ الرَّحيمُ ﴾ الرحمة الدنيوية ، والكلام عليها ، ويجوز العموم باعتبار اهل الاخروية ، وه صفة مبالغة ، واما العزيز فصفة مشبهة لا صفة مبالغة ، لكن فيها رسوخ وثبوت ، كما هو شأن الصفة المشبهة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١٣