سورة لقمان · الآية ١٨ من ٣٤

‹ السورة السابقة
وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ١٨
الرسم الإملائيّ

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ

الجزء ٢١الربع ١٦٤ صفحة ٤١٢

تفسيرها

[سورة لقمان — آية 18]

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قيل: لا تمله ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبرون ، من الصعر.. فيلوي عنقه ، وهذا من حيث الصفة ، وأما من حيث المعنى: فالتولي عن أداء حقوقهم ، والقطع عن إيصالهم ، والاستخفاف بهم ، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: فرحا ، مصدر وقع موقع الحال ، أو تمرح مرحا ، أو لأجل المرح : وهو البطر ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ المختال للماشي مرحا.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٨٧

[سورة لقمان — آية 18]

قال : ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ أي : لا تعرض عنهم وجهك استكباراً ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحاً ﴾ أي : بالعظمة [ ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ ﴾ أي : متكبِّر ﴿ فَخُورٍ ﴾ يعني يُزهى بما أُعطِيَ ولا يشكر الله ] .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر . » فقال رجل من القوم : يا رسول الله ، إن الرجل منا ليكون نقيَّ الثوب ، جديد الشراك فيعجبه ذلك ، فقال : « ليس ذلك الكبر ، ولكن الكبر أن تسفّه الحق وتغمط الناس » .

ذكروا عن بعضهم قال : من وضع جبهته ساجداً لله فقد برئ من الكبر .

ذكروا أن علياً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صنع شيئاً فخراً لقي الله يوم القيامة أسود . » قال : فقال القوم : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هلكنا وربِّ الكعبة ، فوالله إن الرجل منا ليعجبه حسن ثوبه وحسن مركبه ، ثم ينظر في شعره ونعله . فقال علي : قد شكونا الذي تشكون إلى النبي عليه السلام فقال : « ليس ذلك بالفخر ، ولكن الفخر بَطَرُ الحق وغمط الناس والاستطالة عليهم » .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٨٧

[سورة لقمان — آية 18]

﴿ ولا تُصغَّر خدك للنَّاس ﴾ لا تمله للناس مواجهة به لهم تكبرا عن ان تواجههم ، وقيل اللام للتعليل ، وقيل لا تمله للذل والحياء من الناس ، والصحيح الاول لانه مرافق لما بعده فى الزجر عن التكبر ، ومن العجيب ، تفسير الآية باعراضك عن رجل بينك وبينه محبة اذا لقيك ، وكأن قائله اراد النهى عن القطع بعد الوصل ، وتفسيرها بان بسلم عليك احد فتلى وجهك تكبرا ، وفسرها بعض باحتقار الفقراء والعموم هو الحق ﴿ ولا تَمْش فى الارض مَرحاً ﴾ فرحا معجبا بحالك انت من اهل الارض ، فمالك والمشى مرحا لو حل المرح لمشاه اهل السموات ، والارض خلقت للعبادة ، ومرحا حال اى ذا مرح او مرحا بكسر الراء قيل ، او مبالغة وفيه ان يقال كأنه اجاز له ما دون المبالغة فى المرح ، وهو يجوز ، ويجاب بانه اراد السلب الكلى ، او يباح القليل الذى لا يخلو منه الانسان ، او مفعول مطلق لتمرح محذوفا حالا ، او لتمش مضمنا تمرح ، او مفعول من اجله ، وذلك ان الانسان تارة يمشى ويخطر له المرح ، وتارة يدل الحال قراءة بعض بكسر الراء .

﴿ إن الله لا يُحِب كل مُختالٍ فَخُور ﴾ تعليل لما قبله ، والاختيال التبخر فى المشىكبرا ، ومنه سميت الخيل لاختيالها فى مشيها طبعا ، او توهم الناس انها تختال ، وقد قيل : لا يركب انسان الفرس الا وجد فى نفسه نخوة ، وقد قيل : الاختيال التكبر الناشئ عن تخيل فضيلة تراءت للانسان من نفسه ، والفخر والمباهاة يالاشياء الخارجة عن الانسان ، كالمال والجاه والاولاد والنسب ، وغير الخارجة كالجمال والفصاحة ، وقد يعد منها النسب ، ومن عد ماله او نحوه على جهة الشكر ، فليس فخوراً الا ان عنى العلو على غيره ففخر ، ولو ادعى الشكر ، وقد ابطل ما توهمه شكرا ، ومن عد ذلك ولم يقصد علوا ولا شكرا ، فليس مفتخرا ، والنفى هنا لعموم السلب لا لسلب العموم ، فانه لا يحب بعضا ولا كلا ، وكذا فى فخور الذى هو صفة مبالغة ، فانه لا يحب المبالغ فى الفخر ، ولا المفاخر الذى لم يبالغ فيه .

اللهم الا ان يتسامح فى قليل الفخر الذى يخلو منه الانسان ، وما كان من الفخر او المرح لوجه الله ، احبه الله عز وجل كالمرح فى صف الجهاد ، وكالافتخار بالمال على عدو الدين ، الاختيال يناسب الكبر والعجب ، والفخر يناسب المشى مؤحا على اللف والنشر المرتب ، وان قابلنا الماشى مرحا بالمختال والمصاعر بالفخور كانا لفا ونشراً معكوسا ، وقيل الفخوز مقبل للمصاعر ، والمختار للماشى وآخر للفاصلة .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٨٧