أَشِحَّةً عَلَیۡكُمۡۖ فَإِذَا جَاۤءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَیۡتَهُمۡ یَنظُرُونَ إِلَیۡكَ تَدُورُ أَعۡیُنُهُمۡ كَٱلَّذِی یُغۡشَىٰ عَلَیۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَیۡرِۚ أُو۟لَٰۤئِكَ لَمۡ یُؤۡمِنُوا۟ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣰا١٩
الرسم الإملائيّ
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
الجزء ٢١الربع ١٦٨ صفحة ٤٢٠
تفسيرها
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بخلاء عليكم بالمعاونة، ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في أحداقهم ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ من معالجة سكرات الموت، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحيزت الغنائم ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ يطلبون الغنيمة؛ والسلق: البسط بقهر اليد أو باللسان،﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إخلاصا، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فأظهر بطلانهم، أو أبطل ما فعلوه من المبار، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٥٢
قوله : ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ أي : يعوّق بعضهم بعضاً ، أي : إذ يأمر بعضهم بعضاً بالفرار ﴿ وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ أي : يأمر بعضهم بعضاً بالفرار . ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ ﴾ أي : القتال ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وإنما قل لأنه إنما كان لغير الله ، أي : إنما فعلوه رياء وسمعة ، ولم تكن لهم فيه حسبة ولا نية . وهو كقوله : ﴿ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [ النساء : 142 ] إلا التوحيد الذي كان منهم ، وهو قليل إذ لم يكملوه بالعمل الصالح . [ قال : ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ أي : لا يتركون لكم من حقوقهم من الغنيمة شيئاً ] .
رجع الكلام إلى أول القتال قبل أن تكون الغنيمة قال : ﴿ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ ﴾ يعني القتال ﴿ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾ أي : خوفًا من القتال . ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ ﴾ أي : فإذا ذهب القتال ﴿ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ أي : صاحوا عليكم . والسلق : الصّياح ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ﴾ أي : على الغنيمة .
قال الله : ﴿ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ أي : لم يؤمنوا فيكملوا الإِيمان بالتقوى؛ كقوله : ﴿ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ [ المائدة : 41 ] ، أي : أقروا بألسنتهم ولم تكن قلوبهم تصبر على العمل بما أقروا به بألسنتهم .
قال : ﴿ فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي : أبطل حسناتهم لأنهم فعلوا ما فعلوا رياء وسمعة بغير نيّة ولا حسبة .
وقال بعضهم : ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ﴾ أي : على القتال ، أي : لا يقاتلون فيرغبون في الجهاد ، ويحتسبون فيه ما يحتسب المؤمن .
وتفسير الكلبي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما مسَّهم الحصر والبلاء في الخندق رجع إلى أهله ليُصيب طعاماً أو إداماً ، فوجد أخاه يتغدّى تمراً . فدعاه ، فقال أخوه المؤمن : قد بخِلت عليَّ وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسك ، فلا حاجة لي في طعامك .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٥٢
﴿ أشحة ﴾ جمع شحيح فصيح استعمالا شاذ قياسا ، لان قياس جمع فعيل الوصف المضاف كخليل ، افعلاء مثل اخلاء ، وسمع ايضا اشحاء على القياس حال من واو يأتون ، اى تركوا الاتيان اشحة ، قاله الزجاج ، وفيه ان عامله لا النافية ، والمعنى صحيح ، لكن مقتضى كون صاحب الحال الواو وان يكون عامله يأتى لانه العامل فى الواو ، فيتغير المعنى لان المعنى حينئذ اتيانهم اشحة منتف ، فلعله حال من محذوف مثبت ، اى يأتون اشحة او من أل فى القائافى ، او فى ضميره فى قائلين ، وعليه لا يضر الفصل باجزاء الصلة .
﴿ عليْكم ﴾ اى عنكم بالخير كله كالنفقة والنصرة والغنيمة ، والنفع بأبدانهم ، وكل منفعة لا يحبون للمؤمنين نفعا ما ، وهذا هو المناسب لحالهم من حب الشر للمؤمنين ، وقيل هذا حب خير للمؤمنين من غلبة وبقاء ، لانهم لو كانوا مغلوبين لم يجدوا من يمنع الاحزاب عنهم ، فيقتلون او تؤخذ اموالهم وهو المناسب ، لقوله تعالى : ﴿ أشحة على الخير ﴾ ولان تعدية الشح بعلى ، انما هو فى حب بقاء الشئ ، وفى الوجه الاول ، وعليه الجمهور فسرتها بعن ﴿ فاذا جاء الخَوف ﴾ من العدو ﴿ رأيتهُم ينْظرُون اليك تَدور أعينهُم ﴾ اى احداقها من شدة الخوف ، والجملة حال من واو ينظرون ﴿ كالَّذى يغْشَى عليْه مِن المَوتِ ﴾ لاجل الموت او بسببه ، اى ينظرون ثابتا كنظر الذى ، او تدرور اعينهم دورانا ثابتا كدوران الذى او حال من اعينهم ، كعين الذى ، او هذا النظر تملق اذا رأوا نجاة المؤمنين ، او امارة النصر ، او رأوهم غالبين لا كما قيل نظر خيانة ، لعلهم يجدون مضربا .
﴿ فإذا ذَهَب الخوفُ سلقُوكم بألْسِنةٍ ﴾ آذوكم ببسط ألسنتهم فى الذم وما دونه ، كقولهم : اعطونا من الغنيمة فلستم بأحق بها منا ، والطعن فى الدين قيل : أصل السلق بسط العضو الى احد بالقهر ، ﴿ حِدادٍ ﴾ شداد فى الشر كالسيوف الحديدة ، ويحتمل انه شبه ألسنتهم بالسيوف عل الاستعارة المكنية ، بل الاستعارة على تناسى التشبيه ، ورمز اليها بلازمها وهى الحدة ، ولازمها الآخر وهو السلق ، على انه بمعنى الصرب ، فهما اواثباتها استعارتان تخييليتان ، ويقال ايضا السلق البلاغة فى الخطبة ، وجهر الصوت فهم يفعلون ذلك بالسوء جرأة قال صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من سلق او حلق » اى من رفع صوته جزعا من المصيبة ، او حلق ما لا يحلق .
﴿ أشحةٍ عَلى الخَير ﴾ كله كما مر مستبقين له لأنفسهم ، فهم يطلبون من الغنيمة ، ويمسكون اموالهم لا ينفقونها فى سبيل الله ، او على بمعنى عن أبى يبخلون عن الخير ولا ينفعون الاسلام او اهله شئ ، على انه قد يقال لا تختص على فى الشح بالاستبقاء ، ولا بأس بالتكرار تأكيدا ، ولاسيما انه تجدد العامل هنا ، وهو سلق ولا بأس حال من فاعله ، وفرق بعض بان اشحة هنالك فى معاونة المؤمنين ، والنصر والانفاق فى سبيل الله تعالى ، وما هنا فى مال الغنيمة ، وبعض بان ما هنالك تحبب الى المؤمنين واستبقاء لهم ، وما هنا جرأة عليهم بالسلق اذ ذهب ما يتخوفونه ، وبعض بان ما هنالك شح منهم عن المؤمنين ، وما هنا شح عن كل احد .
﴿ اولئك لم يؤمنوا ﴾ من قلوبهم بل ألسنتهم فقط ﴿ فأحْبطَ الله أعمالهُم ﴾ حين عملوها لشركهم حين عملوا كما دلت عليه الفاء فانها سببي ، والمراد لم يقبلها من اول مرة ، وليس المراد انها صحت ثم أبطلت ، كما يتبادر من الاحباط ، فذلك تشبيه او اطلاق للمفيد على المطلق ، ولكن المراد بطلانها من اول ، قيل المعنى اظهر بطلانها ، والاعمال العبادات المأمور بها ، وان فسر بما علموه نفاقا وتصنعا ، وليس عبادة فى قصدهم ، فاحباطه عدم النفع به فى الدينا ، ولاحظ لهم فى الاخرة ، وقيل : الاعمال عبادة الله ، والاحباط على ظاهره ، وانها نزلت فى مؤمن مخلص شهد بدرا ، ونافق بعد ، ويرد هذا بقوله لم يؤمنوا ، وبصيغة الجمع ، ويجاب بانه لم يؤمن من نافق ، وانه قد يكون معه فى ذلك اثنان او اكثر ، ويبحث بان الاشارة الى عموم المنافقين المذكورين قبل : ويجاب بجواز الاشارة الى العموم لخصوص من فعل ذلك منهم .
﴿ وكان ذَلك ﴾ الاحباط ﴿ عَلى الله يَسيراً ﴾ هينا لا يبالى به ، ولا يخاف منه ، اوكان ذلك الشح عن المؤمنين سهلا عند الله عز وجل ، لانه ينصر المؤمنين ويغنيهم بغيرهم ، ولا يكون سبباً لخذلانهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٥٢