سورة الأحزاب · الآية ٤٩ من ٧٣

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَیۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةࣲ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحࣰا جَمِیلࣰا٤٩
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا

الجزء ٢٢الربع ١٦٩ صفحة ٤٢٤

تفسيرها

[سورة الأحزاب — آية 49]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾تحصونها عليهن بالإقراء والأشهر، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ خلوا سبيلهن، ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا (49)﴾كما أمر الله. (سراجا جميلا).

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٨٢

[سورة الأحزاب — آية 49]

قوله : ﴿ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ .

أي : إذا طلق الرجل امرأته ، من قبل أن يدخل بها ، واحدة فقد بانت منه بتلك الواحدة ، وهي أملك لنفسها ، ويخطبها مع الخطاب ، وليس عليها عدّة منه ولا من غيره . وتتزوج إن شاءت من يومها الذي طلقها فيه ، لأنه لم يمسّها فتعتدّ من مائه مخافة أن تكون حُبلى؛ ولها نصف الصداق . فإِن أغلق عليها باباً ، وأرخى عليها ستراً ، فقد وجب عليها الصداق كاملاً ، ووجبت عليها العدّة .

وإن طلّقها ثلاثاً من قبل أن يدخل بها فهي بمنزلة تطليقة واحدة ، لأنه ليس في يده من طلاق التي لم يدخل بها إلا واحدة ، وهي واحدة ، فإن زاد عليها لم تعتد بزيادته التي زاد ، وهو قول أبي عبيدة ، وهو قول جابر وابن عباس . وكان إبراهيم يقول : إن طلقها ثلاثاً قبل أن يدخل بها لم يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره ، إلا أن يفرّق الطلاق فيقول : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، فإنها تبين بالأولى ، وليس ما طلق بعدها بشيء ، وهو خاطب . فإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين . والقول الأول قول أصحابنا : قول ابن عباس وجابر بن زيد ، وأبي عبيدة ، فبه أخذوا ، وعليه اعتمدوا .

وأما قوله : ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ فهو منسوخ إذا كان قد سمَّى لها صداقاً ، إلا أن يكون لم يسمِّ لها صداقاً ، فتكون لها المتعة ولا صداق لها . فإن كان سمّى لها صداقاً ثم طلّقها قبل أن يدخل بها كان لها نصف الصداق ، ولا متعة لها . نسختها الآية التي في سورة البقرة : ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُحْسِنِينَ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ . . . ﴾ إلى آخر الآية [ البقرة : 236-237 ] . ولا متعة لها . وكان الحسن يقول : لها المتعة ، وليست بمنسوخة .

قوله : ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ أي : إلى أهليهن ، أي : لا يكون الرجل والمرأة في بيت وليس بينهما حرمة .

وإذا مات الرجل قبل أن يدخل بامرأته توارثا ، ولها الصداق كاملاً . وإنما يكون لها نصل الصداق إذا طلّقها ولم يدخل بها .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٨٢

[سورة الأحزاب — آية 49]

﴿ يا أيُّها الَّذين آمنثوا إذا نكحْتُم المؤمنات ﴾ أو الكتابيات ، واقتصرت الآية على المؤمنات ، لأنهن أليق بالنكاح ، وأشرف ، أى إذا تزوجتموهن ، وهكذا النكاح فى الشرع التزوج ، وهو القعد ، والنكاح هو حقيقة لغوية فى العقد ، وقيل : فى الوطء ، وقيل مشترك بينهما اشتراكا معنويا ، فان فى كل من العقد والوطء الضم ، وقيل : لفظيا ، وأصله الجمع والضم ، وحقيقة شرعية فى العقد ، ولم يجىء فى القرآن إلا بمعنى العقد ، وأما قوله تعالى : ﴿ حتى تنكح زوجا غيره ﴾ فقيل : بمعنى العقد ، وبينت السنة أنه لا بد معه من الوطء ، وقيل : هو بمعنى الوطء ومن كلام فيه .

﴿ ثم طلَّقْتموهنَّ ﴾ ثم للترتيب الذكرى ، فيشمل الطلاق ولو عقب العقد ، وإن شئت فللترتيب الرتبى ، فان الطلاق مناف للتزوج ، لأنه للوصلة والحب ، والأنس والألفة والنفع ، والطلاق عكس ذلك ، وقطع للنسل ، قال صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال الى الله الطلاق » رواه ابن ماجه ، وأبو داود ، عن عبد الله بن عمرو فى رواية لأبى داود : « ما أحل الله شيئا أبغض اليه من الطلاق » وهو مكروه ، بل قيل : ممنوع ، وإن وقع صح إلا لداع ، فلا كراهة مثل أن تكرهه مطلقاً ، أو لعدم قدرته على الوطء ، وإن ادعت مسا ونفاه حلف ما مس ، وأعطى نصف الصداق ، ولا تتزوج إلا بعد العدة ، وإن ادعت انتفاء ، وادعى الثبوت ، أو اتفقا على النفى ، فلها النصف ولا تتزوج إلا بعد العدة ، وعلى ذلك يفسر قوله تعالى : ﴿ ما قَبْل أن تمسُّوهنَّ ﴾ كناية عن الوطء ، ونزل بعض نظر فرجها ، وعدم غيوب الحشفة منزلة المس ، وشهر فى الفروع أنه إذا أمكن المس ، حكم به فى شأن الصداق .

﴿ فما لكُم عليهنَّ من عدَّة تعْتدوُّنها ﴾ مطاوع عد ، اى تستوفونها موجودة تامة ، أو بمعنى الثلاثى ، والآية نص فى أن العدة حق للرجل ، بمعنى أنه لا تفوته رجعتها إن أرادها ، وبقاء حرمته عليها ، وإذا لم تكن رجعة فبقاء هذه الحرمة ، وإذا رضيا معاً أن تعتد فى غير بيته جاز ، وإن مسها وطلقها وراجعها ، أو تزوجها بدل الرجعة ، أو تزوجها فى عدة البائن الذى تصح فيه الرجعة ، وطلقها قبل المس من الرجعة أو النكاح الثانى ، أتمت العدة الأولى عند بعض ، وقيل : تستأنف من الثانى ، والظاهر بناءها على ما مضى فى مسألة الرجعة والاستئناف فى مسألة التزوج الثانى ، ولها نصف الصداق الثانى إن لم يمسها فيه .

﴿ فمتِّعوهنَّ ﴾ أطوهن شيئاً يتمتعن به ، وذلك مقيد بعد الفرض ، فإن المفروض لها نصف ما فرض ، دليل آية البقرة ، والذى يتمتعن به قميص وخمار وملحفه ، وهى ما تستر به رأسها وقدميها وما بينهما ، وعلى الموسع قدره فى تجويد ذلك ، وعلى المقتر قدره فى الرداء ، فالمتوسط بين ذلك وذلك أدنى ما تخرج به إذا خرجت ، وينبغى أن يعتبر العرف ، وحال الزوج فى المال ، وقالوا : هى أقل من نصف صداق المثل ، ولا تنقص عن خمسة دراهم ، والامر للوجوب ، واستحب بعضهم المتعة ولو للمفروض لها ، والممسوسة ، التى لم يفرض لها زيادة على صداق المثل ، وذكروا عن الحسن : أن لكل مطلقة متعة دخل بها أو لم يدخل ، فرض لها أو لم يفرض ، الفاء عاطفة على الجواب عطف إنشاء على إخبار هو فى معنى الطلب ، فان معنى « مالكم عليهن » إلخ لا تطالبوهن بعدة ، أو فى جواب شرط مقدر إذا عرفتم ذلك أو إذا كان الأمر ذلك فمتعوهن .

﴿ وسَرِّحوهنَّ ﴾ أخرجوهن من منازلكم ، لأنهن لسن بأزواج لكم . ولا محارم تستريحوا من فتنة الانكشاف والسماع ، وأصل التسريح إرعاء الإبل السرح ، وهو شجر مخصوص له ثمار ، ثم استعمل للرعى مطقا ، ثم لكل إرسال ﴿ سراحاً ﴾ تسريحاً ﴿ جَميلاً ﴾ بكلام طيب ، وبلا منع من واجب ، قيل : ولا مطالبة بحق عليها ونحو ذلك مما يجب عليه ، أو يستحب ويه استعمال الأمر فى الوجوب وغيره ، قلت : الأولى حمله على أداء الواجب لها ، وعلى عدم منع ما وجب لها ، وعلى الكلام الطيب ، وعدم تعييرها وتنقيصها الى الناس .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٨٢