سورة الأحزاب · الآية ٥٣ من ٧٣

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتَ ٱلنَّبِیِّ إِلَّاۤ أَن یُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَیۡرَ نَٰظِرِینَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِیتُمۡ فَٱدۡخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسۡتَءۡنِسِینَ لِحَدِیثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ یُؤۡذِی ٱلنَّبِیَّ فَیَسۡتَحۡیِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا یَسۡتَحۡیِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعࣰا فَسۡءَلُوهُنَّ مِن وَرَاۤءِ حِجَابࣲۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَاۤ أَن تَنكِحُوۤا۟ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۤ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِیمًا٥٣
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا

الجزء ٢٢الربع ١٧٠ صفحة ٤٢٥

تفسيرها

[سورة الأحزاب — آية 53]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلا مـأذونا لكـم ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ متعلق بـ» يؤذن«، لأنه متضمن معنى يدعى، للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غيره وإن أذن، كما أشعر به قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ غير منتظرين وقته، أو إدراكه، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ تفرقوا ولا تمكثوا؛ والآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، مخصوصة وبأمثالهم، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام ولا اللبث بعد الطعام لمهم؛ والآية كأنها مخصوصة في الظاهر بالنهي عن الدخول لبيوت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يقتضي معناها المنع عن الدخول إلى الأكل لجميع البيوت، الإ بدعوة أو دلالة سبقت لها الإمارات على إباحتها.﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ لحديث بعضكم بعض، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له، عطف على » ناظرين«، أو مقدر بفعلِ، أي: ولا تدخلوا ولا تكثوا مستأنسين، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ اللبث ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لتضييق المنزلة عليه، وعلى أهله، وإشغاله بما لا يعنيه عما يعنيه. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾من إخراخكم، لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء كما لا يتركه الله ترك الحيي، فأمركم بالخروج.

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ما ينتفع به،﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: ستر. روي أن عمر قال: » يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب« فنزلت. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾من الخواطر الشيطانية.

﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ وما صح لكـم ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ أن تفعلوا ما يكـرهه، ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54)﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٨٦

[سورة الأحزاب — آية 53]

قوله : ﴿ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا ﴾ أي : فتفرقوا . ﴿ وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ بعد أن تأكلوا ﴿ إِنَّ ذِلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فِيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَالله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ .

ذكروا عن أنس بن مالك قال : لما تَزَوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُولِم على أحد من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش . قال أنس : كنت أدعو الناس على الخبز واللحم ، فيأكلون حتى يشبعوا . فجاء رجلان فقعدا مع زينب في جوف البيت ينتظران ، أظنه يعني الطعام . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة فقال : « السلام عليكم يا أهل البيت . » فقالت عائشة : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك فيهم . قال : فاستقرى نساءه كلهن فقلن بمقالتها . ثم جاء فوجد الرجلين في البيت ، فاستحيى فرجع ، فأنزل الله آية الحجاب ، فقرأها عليهم فخرجا . ودخل النبي صلى الله عليه وسلم وأرخى الستر .

ذكروا عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قال : قلت : يا رسول الله ، إنه يدخل عليك البَرُّ والفاجر ، فلو أمرت نساءك يحتجبن . فأنزل الله آية الحجاب .

قوله : ﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ أي : صنعته . وقال مجاهد : متحيّنين حينه . قوله : ﴿ وَالله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ أي : أن يخبركم أن هذا يؤذي النبي .

قوله : ﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ أي : من الريبة والدنس ، أن يكون لك من وراء حجاب .

قال : ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ الله عَظِيماً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٨٦

[سورة الأحزاب — آية 53]

﴿ يا أيُّها الَّذين آمنُوا لا تَدخُلوا بيُوت النبى إلا أن يُؤذن لكُم الى طَعامٍ غَير ناظرينَ إناه ﴾ نزلت الآية فى شىء مخصوص يفعلونه ، فنهاهم عنه ، وهو أنهم يدخلون بلا إذن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الطبخ ، فينتظرون تمام طبخة ليأكلوا ، ويدخل من يدخل بإذن يأذن له ، وهو يظن أن لا يلبث فيلبث الى أن يتم الطبخ حتى يتم ، أو فى غير وقت الطبخ بإذن لحاجة ، فيخرج بعدها ، كان الطبخ أو لم يكن أو دخل بإذن وقعد بإذن بعد الأكل لحاجة أو أذن بعد تمامه ، فلا يحرم ذلك .

وعن ابن عباس رضى الله عنهما : نزلت فى ناس من المسلمين ، يتحينون طعام النبى صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الإدراك ، ثم يأكلون ولا ينصرفون ، ويتأذى صلى الله عليه وسلم بذلك ، ويروى أنه أطعم صلى الله عليه وسلم على زينب بنت جحش تمراً وشاة .

قال أنس : هاجر النبى صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر ، ومات وأنا بن عشرين ، وأمرنى أن أعود الناس ففعلت حتى لا أجد من أدعو ، وبقى ثلاثة رجال يتحدثون بعد الأكل ، فخرج النبى صلى الله عليه وسلم ليخرجوا وخرجت معه ، حتى أتى باب عائشة ورجعت معه ، الى باب زينب ولم يخرجوا ، ثم رجع الى باب عائشة ورجعت معه ، رجع فوجدهم خرجوا ، فدخل ودخلت معه ، فأرخى الستر وهو يقول : « يا أيها الذين أمنوا لاتدخلوا بيوت النبى النبى إلا أن يؤذن لكم » الى « من الحق » ويقدر الحرف قبل أن ، أى إلا بأن يؤذن ، أو لأن يؤذن ، أو يقدر مضاف أى إلا وقت أن يؤذن ، فالمصدر المأول يقدر منصوباً على النيابة عن المضاف ، لا على الظرفية ، كجئت طلوع الشمس ، لأن نصب المصدر على الظرفية مشروط فيه أن يكون صريحا ، وأجازه بعض ولو غير صريح كالآية ، وعليه الزمخشرى ، وهو محجوج بالذوق ، وبعدم السماع ، وكونه إماماً فى العربية لا يدفع ذلك عنه ، ولو سمع جئت إن طعلت الشمس لقدر مضاف ، أو لام التوقيت ، أى وقت أن طلعت ، أو سمع أجىء إن تطلع لقدر وقت أن تطلع ، أو لأن تطلع ، واستثناء شيئين فصاعداً بأداة واحدة بلا عطف ولا إبدال غير جائز ، نحو : ما جاء أحد إلا زيد عمرو ، ولو سمع نحو : ما أعطيت أحداً إلا شيئاً زيد دانقا لقدر عامل ، أى أعطيته دانقاً .

وأجاز بعض هذا المثال ونحوه فقط ، ولو سمع ما ضرب زيد إلا عمراً بلا موجب ، لقدر ضربه بلا موجب ، وليست الآية من استثناء متعدد فان الى طعام متعلق بيؤذن ، وغير حال من الكاف ، وإناه مفعول الناظر ، وليست مستثنيات ، وعدى يؤذن بالى لتضمنه معنى الدعاء ، ولا يعارض أن دعا يتعدى بنفسه وأذن تعدى باللام ، وإنا اسم زمان مفعول به فقيل : هو مقلوب آن وقيل : إناه غايته وتمامه .

﴿ ولكن إذا دُعيتُم ﴾ الى الطعام نهاهم أن يأتوا طعاما لم يدعوا لله ، ولا سيما إن كان الدخول بغير إذن ، ويحتمل العموم أى إذا دُعيتُم لطعام أو غيره ﴿ فادْخلوا ﴾ إن كان لطعام فالبثوا حتى تأكلوا ولو بانتظار إناه ، وإن لغيره فاذا تم ما دعيتم اليه فاخرجوا ولا تنتظروه ، إلا إن أمركم ، وإذا لم يتبين لكم سبب الدعاء فاقعدوا حتى يأذن لكم بالخروج ﴿ فإذا طمعتُم ﴾ أكلتم ، وأطعمته صيرته طاعما ، أى آكلا ﴿ فانْتشِرُوا ﴾ تفرقُوا عن البيت وأهله ، ولا تلبثوا ، وليس المراد أن يتفرق الطاعمون بعض عن بعض ، وان أذن لكم فى اللبث فلا بأس .

﴿ ولا مستأنسِين لحديثٍ ﴾ عطف على ناظرين فالمعنى غير منتظرين إناه ، وغير مستأنسين لحديث ، أى طالبين الأنس ، واللام للتعليل ، أو مستمعين ، واللام للتقوية ، والمراد حديث بعض لبعض ، أو حديث أهل البيت ، ومعنى قوله : أن لا زائدة فى مثل هذا أن الكلام يتم بدونها ، إذ ليست عاطفة ولا داخلة على الجملة ، لكن جىء بها للنص على عموم السلب ، ولا يصح العطف على غير إلا إن جعلت لا اسما معطوفا بالواو ، ومضافا لما بعده ﴿ إنَّ ذلكُم ﴾ أى ما ذكر من اللبث الاستئناس ، والنظر والدخول بلا إذن ، كل واحد من ذلكم واختار بعض أن الإشارة للبث ﴿ كان يؤذى ﴾ يضر ﴿ النَّبى ﴾ صلى الله عليه وسلم ، إذ يفاجئه أو يفاجىء أهله أو كليهما الداخل بلا إذن على حال لا تشاهد ، وإذ يضيف عليه المنزل ، وإذ يريد لخلوة لطعام أو كلام أو غيره ، فيمتنع لأجل الداخل ، وإذ قد يسمعون ما لا يجب أن يسمعوه ، أو يرون ما لا يجب أن يروه .

﴿ فيسْتَحيى منْكُم ﴾ أن يخرجكم أو يمنعكم عما يؤذيه ﴿ والله لا يسْتَحيى من الحق ﴾ وهو إخراجهم ، أو منعهم عما يؤذى ، والأكل أو الشرب بلا مناولة للداخل ، فإنه لا حق له فيهما ، وهو صلى الله عليه وسلم يناولهم ، ولو لم تطب نفسه لقلة أو غيرها ، والتعبير بعدم استيحائه تعالى للمساكلة ، والمعنى أن الله عز وجل لم يترك الحق ، وأمركم بالخروج ، وترك الدخول بوجه غير جائز ، والاستحياء فى الجملة سبب للترك ، وملزوم له .

﴿ وإذا سألتُموهنَّ ﴾ طلبتم نساء النبى صلى الله عليه وسلم ورضى عنهن ، المدلول عليهن بذكر البيوت وبالمقام ﴿ متاعا ﴾ شيئا يتمتع به ، ككوز وإبريق وقصعة ، والمراد إذا أردتم سؤالهن متاعا ﴿ فسألوهن من وراء حجابٍ ﴾ ستر بلا نظر لأشخاصهن ، ولو من فوق ثيابهن ﴿ ذلكُم ﴾ ما ذكر من السؤال من وراء حجاب ، أو مع الدخول بإذن ، وترك الاستئناس ﴿ أطْهَر لقُلوبُكم وقُلوبهنَّ ﴾ عما يخطر للرجال فى أمر النساء ، ولهن فى أمرهم من الطبع والشيطان بواسطة الرؤية والسمع ، وقد وصفهم وإياهن الله بحصول الطهر عن ذلك ، ولكن أمر الكل بالازدياد فيه لأن أطهر اسم تفضيل ، والنظر سهم مسموم من سهام إبليس .

قال عمر رضى الله عنه : يا سول الله يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ، فنزلت آية الحجاب ، رواه البخارى والطبرى ، عن أنس ، وروى الطبرى : أن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم يخرجن لقضاء حاجة الإنسان ليلا قبل أن نتخذ الكنف فى البيوت ، وكان عمر رضى الله عنه يقول : يا رسول الله احجب نساءك ولا يفعل انتظاراً للوحى ، وخرجت سودة ليلا ، وكانت طويلة فناداها عمر بأعلى صوته : قد عرفناك يا سودة ، فنزلت آية الحجاب ، وقد أحسن رضى الله عنه فى ذلك ، ولو خجلت سودة لأن ذلك سعى فى صلاحها ، ولو كان ظلما لنهاه النبى صلى الله عليه وسلم .

قال عمر : وافقت ربى فى ثلاث : قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلى فنزل : ﴿ واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى ﴾ وقلت : يا رسول الله يدخل على نسائك البر الفاجر فلو أمرتهن بالحجاب ، فنزلت آية الحجاب ، واجتمعت نساء النبى صلى الله عليه وسلم فى الغيرة فقلت : ﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن ﴾ فنزلت كذلك ، وفى البخارى والنسائى ، عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تأكل معه صلى الله عليه وسلم ، وكان يأكل معهما بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل يدها ، فكره النبى صلى الله عليه وسلم ذلك ، فنزلت آية الحجاب ، ولعل الرجل عمر ، لما روى مجاهد ، عن عائشة : أنها كانت تأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيسا فى قعب ، فمر عمر فأمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يأكل معهما ، فأصابت أصبعه أصبعها ، فقال : يا رسول الله لو حجبت نساءك ، فنزلت آية الحجاب ، ولعل الآية نزلت لذلك كله .

﴿ وما كان لَكُم أن تُؤذوا رسُول الله ﴾ صلى الله عليه وسلم فى حياته بالدخول بلا إذن ، واللبث والاستئناس والنظر ، وذكره بالرسالة لمزيد قبح ذلك بِأن الرسالة ، ولا بعد موته كما قال : ﴿ ولا أنْ تنْكحُوا ﴾ تتزوجوا ولو بلا مس ﴿ أزْواجَه من بعده أبداً ﴾ أى من بعد موته ، فان الرجل تلحقه الغيرة بتزوج امرأته ولو بعد موته ، يكره فى حياته أن يكون ذلك بعد موته ، ورما كره أيضا بعد موته ، ولا سيما العرب ، لأنهم أشد غيرة ، حتى إن فتى منهم قتل جارية له يحبها خوف أن تقع فى يد غيره بعد موته ، وقيل : المراد من بعد تزوجه كان حيا أو ميتا ، فقيل : كل من كانت زوجا له لاتحل فى حياته أو بعد موته ، فارقها أو أمسكها ، مسها أو لم يمسها ، كالتى قالت : أعوذ بالله منك ، والعامرية التى اختارت نفسها ، والتى رأى بياضا بكشحها فقال لها الحقى بأهلك ، وعلى أن المراد من بعد موته قيل تحرم أزواجه التسع ، أوهن الأزواج له إذ مات عنهن ، وأجيب بأن المراد مطلق من تسمى زوجاً له ، وإذا حرمن بعد فأولى فى حياته .

وروى أن عمرهم برجم الأشعت إذ تزوج المستعيذة ، فأخبر أنها لم يدخل صلى الله عليه وسلم بها ، فتركه ، وتزوج عكرمة بن أبى جهل قتيلة بنت قيس أخت الأعث ، فاهتم الصديق أن يحرق عليها بيتها ، إذ زوجها أخوها برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وارتد أخوها ، وحملها الى حضرموت ، فقال عمر : ليست من أزواجه التى دخل بهن ، ولا ضرب عليها حجابا ، فتركها ، وقيل : لأنها ارتدت ثم أسملت ، فلم تكن من أزواجه ، فتركها ولا يشك عاقل أن سراريه يحرمن على غيره كأزواجه .

﴿ إنَّ ذلكُم ﴾ ام تقدم من إيذائه ، ونكاح أزواجه من بعده ، وإشارة البعد لشدة قبح ذلك ﴿ كانَ عنْد الله عظيماً ﴾ لعظم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا وميتا ، وزاد تأكيدا بقوله :

﴿ إن تُبْدوا ﴾ تظهروا بألسنتكم ﴿ شيئا ﴾ عن قَصْد نكاحهن أو تمنيه ﴿ أو تُخْفُوه ﴾ فى صدوركم ، الجواب محذوف تقديره يعاقبكم ، ونابت عنه علته فى قوله : ﴿ فإن ﴾ لأن ﴿ الله كان بكل شىء ﴾ أبدى أو أخفى ﴿ عليماً ﴾ غاية العلم ، وإن ضمن قوله تعالى : ﴿ إن الله كان بكل شىء عليماً ﴾ معنى أخبركم الله به ، جاز أن كيون جوابا لكن ضعيف المعنى والمعنى القوى ما ذكرت ، أما على معنى أخبركم أن الله إلخ فهو أشد ضعفا ، والأخبار أيضا مسبب عن العلم ، وتلويح بالعقاب .

لما نزل الحجاب قال رجل : أننهى أن تكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب ، لئن مات صلى الله عليه وسلم لنتزوجن نساءه ، وروى لتزوجت عائشة أو أم سلمة ، وكلم رجل ابنة عمه منهن ، فنهاه صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنها ابنة عمى ، وما قلت منكرا ، ولا قالت ، فقال : « قد علمت ولا أحد أغير من الله ولا منى » ومضى وقال : عنفنى من كلام بانة عمى لئن مات لأتزوجنها .

وعن قتادة : أن طلحة بن عبيد الله قال : إن مات صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة ، وندم ندما عظيما ، وقيل القائل طلحة آخر ، وقال منافق بعد ما تزوج صلى الله عليه وسلم حفصة بعد خنيس بن حذافة ، وأم سلمة بعد أبى سلمة : ما بال محمد يتزوج نساءنا ، لئن مات لأجلنا السهام على نسائه ، فنزل لقول هؤلاء كلهم : ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا ﴾ الآية فأعتق الذى قال عنفنى على كلام ابنة عمى إلخ رقبة ، وحمل على عشرة أبعرة فى سبيل الله ، وحج ماشيا لذلك ، ولما نزلت قال الآباء والأبناء ونحوهم : ما نفعل يا رسول الله؟ فنزل قوله تعالى :

﴿ لا جُناحَ عليْهنَّ فى آبائهنَّ ولا أبنائهنَّ ولا إخُوانهنَّ ولا أبناء إخْوانهنَّ ولا أبناء أخَواتهنَّ ﴾ فى أن يكلموهن بلا حجاب ، وقال الزهرى : فى أن يبدين زينتهنَّ لهم ، وفى حكمهم كل ذى رحم محرم من نسب أو رحم ، والأخوال والأعمام ولم يذكرهما الله عز وجل لأنهم كالوالدين ، ولذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات ، لأن علتهم على ما بينهن وبين العم والخال من العمومة والخؤولة ، فإنهن عمات لأبناء الإخوة ، وخالات لأبناء الأخوات ، ونقول : الآية تمثل لا حصر ، وقد سمى الله تعالى اسماعيل أبا وهو عم فى قوله تعالى :

﴿ وإله أبائك ابراهيم واسماعيل ﴾ ﴿ ولا نِسائهنَّ ﴾ أى الموحدات فيحتجبن عن المشركات ولو كتابيات ، قال كثير ، وعن الموحدات الزوانى ، وعمن يصفهن للرجال بلا قصد تزوج لمن لا زوج لها ﴿ واتَّقين الله ﴾ فى كل ما تأتين ، وما تذرن ، ولاسماعين ما أمرتن به ، أو نهيتن عنه ، وأكد عليهن بالخطاب بعد الغيبة ﴿ إنَّ الله كان على كُل شىءٍ شَهيداً ﴾ حاضرا بعلمه ، ولا يجوز نظر الكف والوجه منهن ولو بلا زينة ، ويجوز بروز أشخاص مستترات لحاجة ، كالسفر للحج ، والطواف ، وكما يسمع الصحابة منهن باديات الأشخاص مستترات ، ولما ماتت زينب بنت جحش رضى الله عنها نادى عمر أن لا يحضر جنازتها إلا ذو محرم لها ، مراعاة للحجاب ، فدلته أسماء بنت عميس على قبة توضع على النعش ، كما رأت فى الحبشة ففعل ، فحضرها الناس مطلقا ، وصنعها لفاطمة رضى الله عنها ، وذلك مستحب ، وظاهر كلام عمر الوجوب ، ولا بأس به ، لأنه يقول به ما أمكن ، وإذا لم يمكن كالحج والطواف لم يقل به ، إلا أنه يشكل عليه ظهور أشخاصهن للسائلين من الصحابة والتابعين فقد يقال : لا تظهرن لهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٨٦