سورة سبأ · الآية ١٠ من ٥٤

‹ السورة السابقة
وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلࣰاۖ یَٰجِبَالُ أَوِّبِی مَعَهُۥ وَٱلطَّیۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِیدَ١٠
الرسم الإملائيّ

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ

الجزء ٢٢الربع ١٧٢ صفحة ٤٢٩

تفسيرها

[سورة سبأ — آية 10]

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ﴾ النبوة وفصل الخطاب، وما فضل به على سائره؛ ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ قيل: سبحي معه إذا سبح بفعل ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قيل: جعل في يده كالشمع من غير نار ولا ضرب يصرفه حيث يشاء﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ دروعا واسعات﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ وقدر في نسجها، بحيث تتناسب حلقها، أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقا فتفلق، ولا غلاظا فتخرق، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الضمير فيه لداوود وأهله، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأجازيكم عليه 0

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٦

[سورة سبأ — آية 10]

قوله : ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ يعني النبوة ﴿ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ أي : سبّحي معه ﴿ وَالطَّيْرَ ﴾ . وهو قوله : ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ [ الأنبياء : 79 ] .

قال : ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴾ ألانه الله له ، فكان يعمل بلا نار ولا مطرقة بأصابعه الثلاث كهيئة الطين بيده ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ وهي الدروع ﴿ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ أي : لا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فتنقسم الحلقة ، ولا تعظّم الحلقة وتصغر المسمار فينكسر المسمار .

وبلغنا أن لقمان حضر داوود عند أول درع عملها ، فجعل يتفكر فيما يريد بها ولا يدري ما يريد بها . فلم يسأله؛ حتى إذا فرغ منها داوود قام فلبسها فقال لقمان : الصمت حكمة ، وقليل فاعله .

قال : ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي : لا يغيب عن الله من أعمالهم شيء .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٦

[سورة سبأ — آية 10]

﴿ ولقَد آتيْنا دَاود منَّا فضْلا ﴾ من للابتداء متعلق بآتينا أو بمحذوف حل من فضلا ، والفضل زيادة الخير الدينى والدنيوى على ما عنده قبله ، وليس المراد تفضيله على غيره ، ونكر فضلا للتعظيم ، وذكر منَّا مع أنه يغنى عنه آينا لتفخيم ما أوتى بأنه بلا واسطة ، كقوله تعالى : ﴿ وعلمناه من لدنا علماً ﴾ وقدم منَّا على فلا على طريق الاعتناء به ، والاهتمام وللتشويق الى المؤخر ليزداد تمكنه فى النفس عند وروده .

وأقوال : لا يسند الاعتناء والاهتمام الى الله سبحانه ، ولذلك كنت أقول على طريق الاهتمام والاعتناء ، لأن فى أصلهما علاجا وكسبا وتعبا ، وما ذكرته أولى من أن يقال فضلا على من قبله من النبيين كالملك ، والصوت الحسن ، أو على أنبياء بنى اسرائيل ، أو على الأنبياء غير نبيا صلى الله عليه وسلم ، أو عليه أيضا من حيث انه قد يكون للمفضول شىء ليس للفاضل ، وذكر هنا شئون داود وسليمان لمناسبة ﴿ عبد منيب ﴾ ولأن ما أعطاهمطا مستحيل عادة ، فكذلك يقدر على البعث الذى تعدونه مستحيلا ، وللزجر عن أن يستبعدوا ما أعطى صلى الله عليه وسلم فانه قد أعطى داود وسليمان ما أعطى ، وما أوتى نبى فضيلة إلا أوتى نبينا مثلها بالفعل ، أو تمكن منها ، واختار عدم أظهارها صلى الله عليه وسلم .

﴿ يا جبال أوبى مَعَه ﴾ إلأخ بيان للفضل ، والتأويب التسبيح كما قال ابن عباس : وهو لفظ عربى ، لا كما قال الطبرى عن أبى ميسرة : إنه بلغة الحبشة ، وقيل : بمعنى زجِّعى معه التسبيح ، أى ردديه فيكون بينكما يسبح ، وتسبحين ، والتشديد للمبالغة ، والأصل أوبى باسكان الواو بعد ضمة كما قرأ به ابن عباس والحسن وقتادة ، أى ارجعى معه الى التسبيح ، ليس تفسيره بالمتعدى موجبا لأن يكون متعديا كما قالوا : هنا معناه رجعى معه التسبيح ، فانه إنما هذا بيان لكون التسبيح فى ضمنه ، كما تقول : معنى ذهب زيد ، نقل زيد نفسه ، وإلا قيل : أوبى التسبيح ، وهم لم يقولوه .

والجبال تسبِّح بصوت يسمع بقدرة الله ، وخلق فيهما الفهم ، وأمرها كما يؤمر العاقل ، وناداها كما ينادى العاقل ، وقد سبَّح الحصى فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووضعها فى يد الصديق فسبحَّت ، وليس المعنى حملها إياه بالتفكر فى شأنها على التسبيح ، لأنه قال : ﴿ أوبى ﴾ بصيغة الأمر ، لا أوبْته ، ولأنه قال معه ، ولأن كل من تأمل فى الجبال أداه تأمله الى التسبيح لا داود فقط ، فلا يكون معجزة له ، ولا مفضلا به .

وقيل : تاويبها رد صداه إذا سبح نائحا على نفسه ، ويبحث بأن الصدى أثر صوت الصائت لا صوت ، وفعل لنحو الجبل ، والله أمرها أن تغفل الصوت ، لأن الصدى يرجع أيضا لكل أحد ، اللهم إلا أن يقال ترد له الصدى بأمر الله سبحانه ، ولو لم يشدد الصوت ، وقيل : سيرى حيث سار ، وهو خلاف الظاهر أيضا لأنها تقارع الناس وغيرهم ، ولأنها أوتاد الأرض ، وأيضا أتبقى أو ترجع لأماكنها ، أو تسر فى رجوعه معه الى جهة مسكنه ، وترجع الى أماكنها ، ولو كان الله قادرا أن يمسك الأرض بدونها ، وقيل : المعنى أطيعيه فيما أراد فيك من حفر واستنباط عين ومعدن ، ووضع طريق ، وفيه أنه خلاف الظاهر مشارك فيه ، وضمير المفرد المؤنث لجماعة جبال مخصوصة ، وهى جبال أرض هو فيها من الشام ، لأن اللفظ نكرة مقصودة ، وذلك مفعول لحال محذوف من فاعل فضل ، أى قائلين : يا جبال .

﴿ والطَّير ﴾ عطف على محل المنادى عند سيبويه ، ولو كان حرف النداء لا يدخل على العرف بأل ، ورب شىء يصح تبعا لا استقلالا ، قال الشاعر :

ألا يا زيد والضحاك سيرا … بنصب الضحاك ، أو يعطف على فضلا ، أو يقدر وسخرنا له الطير ، وهو فى التسخير أظهر ، وهو أوضح من الاقتصار فى اللفظ على إيتائها فى العطف على فضلا ، وعطفه الكسائى على فضلا ، وقدر مضافا ، أى وتسبيح الطير ، وهو تقدير أظهر فى الإيتاء من مطلق الإيتاء ، وقال الزجاج : مفعول معه ، ورد بأنه يتكرر مع قوله : ﴿ معه ﴾ بلا عطف ولا إبدال ، وهو د متجه ، سواء علق معه بأوبى أو بمحذوف حال من الياء ، والمعتبر المعنى لا خصوص لفظ مع ، فان واو المعية مثله نعم قد يجوز فى الحالية لمغايرة لفظ الاستقرار المقدر للعامل ، والمراد بالطير الجنس .

﴿ وألنَّا لهُ الحديدَ ﴾ كالطين والشمع ، يصرفه الى أى صورة شاء بلا نار ومطرقة ، وقيل : إن المعنى جعلنا الحديد بالنسبة الى قوته التى آتيناه إياها لينا كالشمع ، بالنسبة الى قوى سائر البشر ، وهذا ضعيف لأنه يفيد أنه يعالج قوة الحديد ، وتسهل عليه ، ونحن نقول : لا علاج قوة له ، بل وضع له اللين فى الحديد ، وإن لم يرد هذه المعالجة كما دل له التشبيه الذى يقدرون فى الآية كما قدرته ، فهو القول الأول .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٦