سورة سبأ · الآية ١١ من ٥٤

‹ السورة السابقة
أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتࣲ وَقَدِّرۡ فِی ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُوا۟ صَٰلِحًاۖ إِنِّی بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ١١
الرسم الإملائيّ

أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

الجزء ٢٢الربع ١٧٢ صفحة ٤٢٩

تفسيرها

[سورة سبأ — آية 11]

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ﴾ النبوة وفصل الخطاب، وما فضل به على سائره؛ ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ قيل: سبحي معه إذا سبح بفعل ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قيل: جعل في يده كالشمع من غير نار ولا ضرب يصرفه حيث يشاء﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ دروعا واسعات﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ وقدر في نسجها، بحيث تتناسب حلقها، أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقا فتفلق، ولا غلاظا فتخرق، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الضمير فيه لداوود وأهله، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأجازيكم عليه 0

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٧

[سورة سبأ — آية 11]

قوله : ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ يعني النبوة ﴿ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ أي : سبّحي معه ﴿ وَالطَّيْرَ ﴾ . وهو قوله : ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ [ الأنبياء : 79 ] .

قال : ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴾ ألانه الله له ، فكان يعمل بلا نار ولا مطرقة بأصابعه الثلاث كهيئة الطين بيده ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ وهي الدروع ﴿ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ أي : لا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فتنقسم الحلقة ، ولا تعظّم الحلقة وتصغر المسمار فينكسر المسمار .

وبلغنا أن لقمان حضر داوود عند أول درع عملها ، فجعل يتفكر فيما يريد بها ولا يدري ما يريد بها . فلم يسأله؛ حتى إذا فرغ منها داوود قام فلبسها فقال لقمان : الصمت حكمة ، وقليل فاعله .

قال : ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي : لا يغيب عن الله من أعمالهم شيء .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٧

[سورة سبأ — آية 11]

﴿ أن اعْمَل سابغات ﴾ دروعا سابغات ، أى واسعات ، وادعى بعض المحققين أن السابغات اسم لتلك الدروع بلا تقدير موصوف ، وأن مفسرة لقوله : ﴿ ألنَّا ﴾ لتضمنه معنى القول دون حروفه ، كقولك : وضعت لزيد الطعام أن كل ، لما كانت الإلانة ظاهرة له عيه السلام فى عمل السلاح ، وهو فى معرض القتال ، والله حكيم صار بمنزلة قلنا له : اعمل لا مصدرية ، إذ لا خارج للأمر يؤخذ منه المصدر ، ولو قالوا ما قالوا ، والاعتذار عن الذنب أشد من الذنب .

﴿ وقَدَّر ﴾ وسط واقتصد ﴿ فى السَّرد ﴾ نسج الحديد بعض ببعض ، استعارة من نسج الثوب ، وقيل اتباع شىء بمثله من جنسه ، وأنه حقيقة أى اجعل حلق الدروع متناسبة على مقدار معين دقة أو غلظة ، أو متناسبة بين الضيق وغيره ، لئلا ينال السلاح من الواسعة ، ولا تثقل شدة الضيق وكانت الدرع قبل داود صفائح ، وقيل : معنى تقدير السرد عدم صرف أوقاته فى عمل الدروع ، بل مقدار القوت ، وما فضل عن القوت ، فاعمل فيه العبادة ، وقيل لا تجعل مسامير حلق الدرع رقاقا فتفلت ، ولا غلاظا فتكسر الحلق .

وكان يسأل الناسر متنكرا عن حال داود ليجتنب ما يعاب ، فيثنون خيرا ، فأرسل الله اليه ملكا فسأله فقال : نعم العبد لولا أنه يأكل من بيت المال لا من كسبه ، فسأل الله مكسباً ، فألان الله تعالى له الحديد يعمل الدرع فى بعض يوم ، أو بعض ليل ، وثمنها ألف درهم ، وقيل أربعة آلاف يصرف ثلث ثمنها فى مصالح الاسلام ، ويطعم المساكين ، ويروى أنه يبيع الدرع بستة آلاف درهم ، ألفان له ولأهله ، وأربعة آلاف يطعم بها بنى اسرائيل الخبز الحوارى ، ويروى يتصدق على الفقراء .

﴿ واعْملُوا صالحا ﴾ خطاب لداود وآله ، ولو لم يجر لهم ذكر لدلالة ذكره عليهم ، أو خطاب لهم كقوله تعالى : ﴿ واعملوا آل داود شكرا ﴾ أو خطاب له بصيغة الجماعة تعظيما ، والعطف على اعمل سابغات ، فالجملة داخلة فى التفسير ، وما للنبى من المنة منة لأمته ، ولو اختص بها عنهم ، والانه الحديد له تشير الى أن يعملوا صالحا ، إذ يجاهدون بالدروع ، والمراد بعمل الصالح عمل العبادات مطلقا لا خصوص عمل الدرع خالية عن عيب ، كما يقال فيخص بداود عليه السلام ﴿ إنِّى بما تَعْملون بَصيرٌ ﴾ فأجازيكم عليه ، وذلك تعليل للأمر فى قوله : ﴿ واعملوا صالحا ﴾ لا لوجوب الأمر ، كما قال بعض المحققين لأنه لم يخبرنا أن الأمر واجب .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٧