سورة سبأ · الآية ٤٠ من ٥٤

‹ السورة السابقة
وَیَوۡمَ یَحۡشُرُهُمۡ جَمِیعࣰا ثُمَّ یَقُولُ لِلۡمَلَٰۤئِكَةِ أَهَٰۤؤُلَاۤءِ إِیَّاكُمۡ كَانُوا۟ یَعۡبُدُونَ٤٠
الرسم الإملائيّ

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ

الجزء ٢٢الربع ١٧٣ صفحة ٤٣٣

تفسيرها

[سورة سبأ — آية 40]

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ المستكبرين والمستضعفين، أو العـابدين والمعبودين،

﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40)﴾ ؟ تقريعا للمشركين، وتبكيتا لهم، وإقناطا لهم عما يتوقعون من شفاعتهم، وتخصيص الملائكة،لأنهم أشرف شركائهم. ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ﴾ كأنهم بينوا بذلك برأءتهم عن الرضا بعبادتهم، ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم ما عبدوهم على الحقيقة بقولهم: ﴿ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ﴾ أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، ﴿ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)﴾ مصدقون لوساوسهم، تابعون لها؛ فإن قيل: إنهم كانوا يعبدون الملائكة، فكيف وجه قوله: ﴿ يعبدون الجن﴾؛ قيل: اراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة؛ يقول: ﴿يعبدون﴾أي: يطيعون الجن، فبطاعتهم لهم صــاروا لهم عــابدين. {لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا

وَلَا ضَرًّا } إذ الأمر فيه كله [لله] لأن الدار دار جزاء ، وهو المجازي وحــده؛

﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٤٦

[سورة سبأ — آية 40]

قوله : ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ يعني المشركين وما عبدوا ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ على الاستفهام ، وهو أعلم بذلك منهم ﴿ قَالُوا ﴾ أي : قالت الملائكة ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ ينزهون الله عمّا يقول المشركون ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ﴾ أي : إنا لم نكن نواليهم على عبادتهم إيانا . ﴿ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ﴾ أي الشياطين من الجن هي التي دعتهم إلى عبادتنا ولم ندعهم إلى عبادتنا ، فهم بطاعتهم الشياطين عبادون لهم . كقوله : ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ﴾ [ يس : 60 ] ، وكقوله : ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلآ إنَاثًا ﴾ أي : شيئاً ليس فيه روح ، يعني أوثانهم ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً ﴾ [ النساء : 117 ] . قال : ﴿ أَكْثَرُهُم ﴾ يعني جماعة المشركين ﴿ بِهِم ﴾ أي : بالشياطين ﴿ مُّؤْمِنُونَ ﴾ أي : مصدّقون بما وسوسوا إليهم من عبادة من عبدوا فعبدوهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٤٦

[سورة سبأ — آية 40]

﴿ ويَوْم ﴾ مفعول لا ذكر محذوفا أو ظرف لكون محذوف أى ويكون ما يكون من الأهوال التى لا يحيط بها المقال يوم ﴿ نَحْشُرهم جَميعاً ﴾ من استضعف ومن استكبر ، وما يعبدون وفيه بعد إلا أنه أساغه قوله تعالى : ﴿ ثم يقُول للملائكة أهؤلاء إيَّاكم كانُو يعْبدُون ﴾ فذكر الملائكة من مبعوداتهم ، وثم للتراخى فى العظم أو فى الزمان ، كما قيل : يقف الخلق سبع آلاف سنة فى الموقف ، لا يكلمون حتى يشفع صلى الله عليه وسلم فى فصل القضاء ، وذلك تفريع المشركين ، وإقناط من شفاعته الملائكة لهم تفريعا ، مثله فى قوله تعالى : ﴿ أأنت قلت للنَّاس اتخذونى وأمتى إليهن ﴾ وخص ذكر الملائكة من سائر ما عبدوا لأنهم أشرف .

رأى عمرو بن لحى قوما فى الشام يعبدون الأصنام ، فسألهم فقالوا : أرباب على صور الهياكل العلوية نستنصر بها ، ونستسقى ، فجاء بصنم الى العرب ، وزين لهم عبادة الأصنام فعبدوها ، وعبد عيسى بعد ذلك ، فإذا لم تشفع الملائكة فأولى أن لا يشفع سائر معبوداتهم ، وقدم إياكم لأنه أنسب بالتفريع ، وأولى بالذكر ، وكأنه قيل : فما أجابت الملائكة فقال :

﴿ قالُوا سُبحانك أنتَ وليُّنا مِن دُونهم ﴾ ومقتضى الظاهر يقولون فجىء بالماضى للتحقق كأنه قد حشروا فقالوا سبحانك انت ولينا من دونهم نواليك ، ولا ولاية لهم ، وما رضيا بعبادتهم لنا ، بل نلعنهم عليها ﴿ بل كانُوا يعْبُدون الجنَّ ﴾ إذا أمروهم بعبادة غير الله عز وجل ، وصوروا لهم صور قوم من الجن فقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها ، أو يدخلون فى أجواف الأصنام فهم يعبدون إذا عبدت ، وهذا لا تفسر به الآية ، لأن الآية على أنهم عبدوا الملائكة ، أو تخيلوا شيئا صادقا على الجن لا علينا فعبدوه ، فهم لم يعبدونا حقيقة .

وفى سورة الأنعام وغيرها ، أن قوما عبدوا الجن ، ولا تفسر به الآية ، لأنها على أنه عبدت الملائكة ، إلا أن يقال : الإضراب انتقالى الى كلامآخر لا نفى ، لأن عبدتهم الجن ، وكذا فى تفسيرها بأنه عبدت الجن إذا عبدت الأصنام ، وهم فى جوفها .

﴿ أكثرهم ﴾ أكثر المشركين ﴿ بهم ﴾ بالجنِّ ﴿ مُؤمنُون ﴾ بأنها آلهة كما آمن المسلمون بأن الله هو إله ، والقليل بؤمنوا بأنها تعبد بل يعبد الله لا كما قيل : إن القليل لم يؤمنوا بها ، وإنما عبدوهم غير الله سبحانه ، أو قالوا بالأكثر لأن من الكفار من لم يعلم الملائكة بحاله ، وفيه أن العبارة تعطى أن القليل لم يعبدهم إذ لم يقولوا أطلعنا على أكثرهم أنهم بهم مؤمنون .

وكذا يبحث أن قيل : أكثر قلب كل واحد مؤمن بالجن ، وأيضا كيف يكفر بعض القلب ويؤمن بعضه ، إلا أن يقال فيه خصلة إيمان ، وخصلة شرك ، وأيضا لم يقل أكثر قلوبهم ، ويضعف أن الأكثر بمعنى الكل ، لأنه خلاف الأصل ، وأجيز عود هاء أكثرهم للانسان ، صدقوا بأن الجن آلهة ، ولا نسلم هذه الأكثرية ، وقيل : المشركون مؤمنون بأن الملائكة بنات الله ، كما قال الله عز وجل :

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٤٦