وَبَٰرَكۡنَا عَلَیۡهِ وَعَلَىٰۤ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّیَّتِهِمَا مُحۡسِنࣱ وَظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِینࣱ١١٣
الرسم الإملائيّ
وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ
الجزء ٢٣الربع ١٨٠ صفحة ٤٥٠
تفسيرها
}وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ﴿ مما يذبح بدله، فيتم به الفعل، ﴾عَظِيمٍ (107)﴿ عظيم الجثة سمين، أو عظيم القد؛ ﴾وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110)﴿ أي: نجزي بالسلامة كل من أحسن. ﴾إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴿ أي: على إبراهيم في أولاده، ﴾وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴿ في عمله، أو على نفسه بالإيمان والطاعة، ﴾وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴿ بالكفر والمعاصي، ﴾مُبِينٌ (113){ ظاهر ظلمه؛ وفيه تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم من الذرية لا يعود على الأبوين بنقيصة ولا عيب.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٠١
قال : ﴿ سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ ﴾ أي : مؤمن ﴿ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ أي : مشرك ومنافق .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٠١
﴿ وباركنا عليه وعلى اسحاق ﴾ أفضنا على ابراهيم واسحاق بركات الدين ، كجعل أكثر الأنبياء والرسل منهم ، والدنيا كتكثير نسلهما ، وجعلهم ملوكا ، وايتاء ما لم يؤت أحدا من العاملين ، وقيل : باركنا عن ابراهيم فى أولاده ، وعلىإسحاق بأن أخرجنا من صلبه ألف نبى ، أولهم يعقوب ، وآخرهم عيسى ، على نبينا وعليهم الصلاة والسلام ﴿ ومِن ذُرِّيتهما مُحْسنٌ ﴾ بالايمان والعبادة والأمر والنهى ، ونفع عباد الله فى دينهم ودنياهم ﴿ وظالمٌ لنَفْسه ﴾ بالأشراك وما دونه الصالح المعاصى ﴿ مُبينٌ ﴾ ظاهر الظلم ، ولا يلزم أنتكون ذرية الصالح صالحة ، ولا عيب على الصالح بفساد ذريته ، امتن الله عز وجل على ابراهيم بالذبيح وهو اسماعيل ، وبابنه اسحقا هذا الممدوح ، وإسماعيل هو أكبر سناً ، فما الحكمة فى دعوى تعدى الذبيحية عنه الى من بعده ، وأى دليل وهو أيضا يذكر قبل إسحاق اذا ذكرا فى القرآن كما يقدم اسحاق على ابنه يعقوب ، اسحاق على ابنه يعقوب ، وكما قدم اسحاق وعلى يعقوب فى الهبة إذ قال : ﴿ ووهبنا له اسحقا ويعقوب ﴾ لتقدمه بالزمان .
قال الله تعالى : أم يقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق : وقال عز وجل ﴿ قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ابراهيم واسماعيل واسحاق ﴾ وقال تبارك وتعالى : ﴿ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق ﴾ وعلى أن الذبيح اسماعيل : على وابن عمر وأبو هريرة وكثير من الصحابة والتابعين ، وغالب المحدثين ، ونسب لعلماء الصحابة ويناسب ذلك وصفه بالصبر فى قوله عز وجل : ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفر كل من الصابرين ﴾ ويصدق الوعد فىقوله : ﴿ إنه كان صادق الوعد ﴾ فناسب قوله : ﴿ ستجدنى ان شاء الله من الصابرين ﴾ ويناسب ذلك أيضا شهرة لأن قصة الذبح فى مكة ، وشهرة تعلق قرنى الكبش بالكعبة حتى احترفا حين احترقت أيام حصار الحجاج ابن الزبير ويناسب توارث قريش لهما خلف عن سلف .
عليه وسلم ، وأحد الذبيحين أبو النبى صلى الله عليه وسلم استضعفت قريش عبد المطلب ، وأيضا تمنى أن يجد من يعينه على حفر زمزم حين أمر بحفرها ، فنذر ان رزق عشرة أولاد أن ينحر عاشرهم ، فكان أباه صلى الله عليه وسلم ، فأمرته كاهنة أن يقربه وعشرة من الابل ويقرع ، فكلما وقعت القرعة عليه زاد عشرة حتى تمت مائة وقعت عليها ، فكانت فداء له ، وكانت دية للرجل .
وقيل : قال أخواله : ارض ربك وافد ابنك ، فبلغت مائة ، والآخر اسماعيل ، ويناسب ذلك أن فى التوراة : خذ ابنك وحيدك الذى تحبه ، وامض به الى بلد العبادة ، وأصعده ثم [ قرب ] قربانا على أحد الجبال الذى أعرفك به ، ألا ترى الىقوله : وحيدك ، ولا يصدق إلا على اسماعيل ، إذ ولد له وهو ابن ست وثمانين ، وولد له اسحقا هو ابن مائة ، وأيضا قوله : الذى تحبه أنسب بأول ولد ، لأنه أشد حبا عند أبيه ، ومعنى وحيدك ولدك الذى لا ولد لك سواه ، لا الذى انفرد بحضوره ، كما يقول المتأول المبطل اخراجا لاسماعيل على أنه بمكة تأويلا باطلا ، كما تأول بعض بأنه وحيد أمه وهو باطل ، إذ لم يقل وحيد أمه ، بل قال وحيدك .
ويناسب ذلك أيضا قول ابن كثير : أن فى بعض نسخ التوراة بكرك بدل وحيدك ، وأن عمر بن عبد العزيز قال لعالم يهودى قد أسلم : أى ولدى ابراهيم الذبيح؟ فقال إسماعيل ، قد علمت اليهود ذلك ، لكن يحسدوكم يا معشر العرب ، ولا يصح ما روى عن العباس أنه صلى الله عليه وسلم قال : « الذبيح إسحاق » لأن فى سنده الحسن بن دينار وهو متروك ، وشيخه منكر الحديث ، وعن أبى سعيد الخدرى عنه صلى الله عليه وسلم : « إن داود سأل ربه أن يجعله مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فأوحى الله إليه انى ابتليت ابراهيم بالنار واسحاق بالذبح ، وابتليت يعقوب فصبروا » قلت : هو موضوع عنه صلى الله عليه وسلم ، وكذا ما روى عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال : « الذبيح إسحاق » وكذا ما روى عن أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : « لما فرج الله عن إسحاق كرب الذبح قيل له : يا إسحاق سل تعطه » وأيضا فى سنده عبد الرحمن بن زيد ، وحديث غريب منكر كما قال ابن كثير ، وكثر تحريفهم فلعلهم حرفوا : إسماعيل بإسحاق ، فالمرجع الى ما مر أولا من الأدلة على أنه إسماعيل ، واحتمال كون ذلك بالشام لا يدفع كونه بمكة ، ودعوى أن القرنين حملا من الشام خلاف الأصل مع قوة أهل الشام على أهل مكة فى الجاهلية عددا وعدة وديانة ، فكيف يتركون القرنين لهم .
وخبر أنه سار فى غداة وأخذ بإسحاق الى منحر منى ، ورجع وبلغ أهله عشية اليوم موضوع عليه أثر الاهمال ، وخبر يا ابن الذبيحين ، ولو زعموا أن فيه من لا يعرف يقويه ظاهر الآية ، ونص التوراة فنقول : لو كذب القائل يا ابن الذبيحين لزجره النبى صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يعرف صحته ولا كذبه لم يبتسم له ، بل يطلبه بالدليل ، ودل سكوته وتبسمه أن أباه عبد الله لم يولد حين قال عبد المطلب ما مر ، فطلب كمال العدد به ، لا كما قيل : إنه قد ولد حين قال ، وحمل الأب على إسحاق لأنه عم خلاف الأصل .
قال السيوطى : قد كنت أميل إلى أن الذبيح إسحاق ، ولا رأيت قوة الأدلة توقفت ، وفى إدلة أنه إسحاق رائحة الأخذ عن اليهود ، وظاهر الآية يكفى ، ومن نذر ذبح ولده عصى ولا نذر فى معصية الله وذلك لإبراهيم خاصة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٠١