خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ یُكَوِّرُ ٱلَّیۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَیُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّیۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡغَفَّٰرُ٥
الرسم الإملائيّ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
الجزء ٢٣الربع ١٨٣ صفحة ٤٥٨
تفسيرها
}خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴿ يغشي كل واحد منهما الاخر، وكأنه يلف عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به ، كما يغيب الملفوف باللفافة؛ ﴾وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴿ هو منتهى دورة أو منقطع حركته ، ﴾أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴿ القادر على كل ممكن ، الغالب على كل شئ ، ﴾الْغَفَّارُ (5) {حيث لم يعاجل بالعقوبة ، وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٣
﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ أي : للبعث والحساب والجنة والنار . ﴿ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ ﴾ أي : يختلفون . وبعضهم يقول : هو مثل قوله : ﴿ يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ ﴾ [ الحديد : 6 ] ، يعني أخذ كل واحد منهما من صاحبه . ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأِجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ أي : إلى يوم القيامة . ﴿ أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾ العزيز في أمره ، الغفار لمن تاب وآمن .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٣
﴿ خَلَق السَّمواتِ والأرضَ بالحقِّ ﴾ لا خالق سواه ، ولا يعجزه شىء ، كما هو الواحد القهار ، فهو واحد فعلا ، كما هو واحد ذاتا ﴿ يُكور الليل على النَّهار ويُكوِّر النَّهار على الليل ﴾ يغرب الشمس كل يوم قبل اغرابها بالأمس ، ففى كل يغطى الليل على بعض النهار ، فيطول الليل ، ثم يطلع الفجر كل يوم قبل اطلاعه بالأمس ، فيطول النهار ، وذلك كتغطية بعض العمامة ببعض ، كذا ظهر لى ، ثم رأيته لابن عباس إذ قال : يجعل أجزاء النهار ليلا فيطول الليل ، وبالعكس فيطول النهار ، وفى معنى ذلك تأخير اطلاع الفجر فيطول الليل ، وبالعكس فيطول النهار ، وذلك كقوله تعالى : ﴿ يولج الليل فى النهار ﴾ الخ وما نقص من الليل زاد فى النهار ، وما نقص من النهار زاد فى الليل ، ومنتهى النقصان تسع ساعات ، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة .
والليل والنهار عسكران عظيمان ، يكر أحدهما على الآخر كروا متتابعا شبيها بتتابع أكوار العمامة ، وكل يغيب الآخر اذا طرأ وبالعكس بزوال الظلمة كقوله تعالى : ﴿ والليل إذا يغْشَى * والنَّهار إذا تجلى ﴾ وقيل : يأتى بكل واحد عقب الآخر كقوله تعالى : ﴿ يجعل الليل والنَهار خلفة لمن أراد أن يذكر ﴾ وقوله تعالى : ﴿ يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا ﴾ وفى التفسير الأول مراعاة لىّ العمامة بعض على بعض كما مر ، وهو أولى ، يقال كار العمامة يكورها ، كقال يقول ، والتشديد فى الآية للمبالغة ، وفى الآية استعارة تمثيلية بتشبيه أشياء بأشياء أولى من جعلها مفردة فى يكور على حدة تبعية ، وفى النهار على حدة أصلية ، وفى الليل كذلك .
﴿ وسخَّر الشمْس والقَمَر ﴾ بجريان كما أراد فى نفس الطلوع والغروب ، وفى حركتهما حتى لا يميلان عن مجراها ، وان أريد أن كلا يجرى لمنتهى دورته ، كان قوله تعالى : ﴿ كلُّ يجْرى لأجلٍ مُسمى ﴾ تفسيرا للتسخير ، أى لا يقصر عن دورته ، ولا يزيد عليها ، وقبح الله من يقل : الشمس ساكنة لا تجرى ، مع أن الله عز وجل يقول : « كل يجرى » ولا أحد يكوِّر الليل والنهار ، أو يسخر الشمس والقمر ويقهرهنَّ إلا الله عز وجل ، فلا إله إلا الله الواحد فعلا ، كما هو الواحد ذاتا ، المنتزه عن الولادة ﴿ ألاّ هُو العزِيزُ ﴾ الغالب على العصاة المصرِّين ﴿ الغفَّار ﴾ للتائبين لقوله تعالى : ﴿ إلا من تاب ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم : « هلك المصرون » أو العفو عن المصرِّين بأن لم يعاجلهم بالعقاب ، فعليه سمى عدم التعجيل بالعقاب مغفرة على الاستعارة الأصلية ، واشتق لفظ غفار على التبعية ، والجامع ترك العقاب ، ولو كان العقاب فى المشبه متوقعا ، أو سمى عدو تعجيل العقاب مغفرة على المجاز المرسل الأصلى والتبعى ، لعلاقة الاطلاق والتقييد ، لأن الترك فى المغفرة مطلق ، وفى التأخير مقيد بأن العقاب سيكون .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٣