سورة الزمر · الآية ٦ من ٧٥

‹ السورة السابقة
خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَٰحِدَةࣲ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِیَةَ أَزۡوَٰجࣲۚ یَخۡلُقُكُمۡ فِی بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقࣰا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقࣲ فِی ظُلُمَٰتࣲ ثَلَٰثࣲۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ٦
الرسم الإملائيّ

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ

الجزء ٢٣الربع ١٨٣ صفحة ٤٥٩

تفسيرها

[سورة الزمر — آية 6]

}خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴿ استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلى ، مبتدؤه من خلق الانسان، لأنه أقرب وأكبر دلاله، وأعجب،﴾ وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴿ وقضى، أو قسم لكم، فإنه قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء ، حيث كتب في اللوح ؛ أو أحدث لكم بأسباب نازلة ،كأشعة الكواكب والامطار، ﴾مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴿ ذكـرا وأنثي، من الإبل والبقر والضـأن والمعـز، ﴾يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴿ بيان لكيفية خلق أدم ، [و] ما ذكر من الأناسي والأنعام ، إظهارا لما فيها من عجائب القدرة ، غير أنه غلب اولي العقل وخصهم بالخطاب،لأنهم المقصودون﴾ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴿ حيوانا سويا، ﴾ذَلِكُمُ﴿ الذي هذه أفعاله، ﴾اللَّهُ رَبُّكُمْ﴿ هو المستحق لعبادتكم والمالك ﴾لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴿ إذ لا يشاركه في الخلق غيره، ﴾فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) { فكيف تعدلون عن عبادته بالإشراك بعد هذا البيان ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٤

[سورة الزمر — آية 6]

قال : ﴿ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ يعني آدم ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ يعني حواء ، خلقت من ضلع من أضلاعه ، وهي القصيرى من جنبه الأيسر .

ذكروا عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، وإنك إن ترد أن تقيمها تكسرها ، فدارها تعش بها .

﴿ وَأَنزَلَ لَكُم ﴾ أي : وخلق لكم ﴿ مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ أي : أصناف الواحد منها زوج .

ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال : الأزواج الثمانية التي ذكرت في سورة الأنعام : ﴿ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ يعني الذكر والأنثى . ﴿ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ﴾ ﴿ وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ﴾ [ الأنعام : 143-144 ] .

﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ [ يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم يكسى العظم اللحم ثم الشعر ثم ينفخ فيه الروح ] ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ﴾ أي : البطن والمشيمة والرحم .

قال : ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ خالق هذه الأشياء التي وصفهن؛ من قوله : ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ إلى هذا الموضع : ﴿ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ أي : فكيف تصرفون عقولكم . أي : أين يذهب بكم فتعبدون غيره وأنتم تعلمون أنه خلقكم وخلق هذه الأشياء . وتصرفون عقولكم وتصدقون وتوفكون واحد .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٤

[سورة الزمر — آية 6]

﴿ خلَقَكم ﴾ أيها الناس ، أو أيها المشركون لم يعطف على خلق السموات لاستقلاله بالدلالة على أنه تعالى واحد قهار ، ولتعلقه بالعالم السفلى ، وقدم ذكر خلق الانسان على خلق الأنعام لعقله ، وقبول التكاليف ﴿ مِن نفسٍ واحِدةٍ ﴾ آدم عليه السلام بلا أب ولا أم ﴿ ثمَّ جَعَل منْها زوجَها ﴾ حواء ، ثم لتراخى الزمان ، إذ هو الأصل فيها ، والمراد بخلقكم إخراجكم من آدم كالذر ، وهو متقدم على خلق حواء ، ويكفى فى التراخى مدة ولو قصيرة ، ولا سيما أنها طالت بين الاخراج كالذر ، وحين خلق حواء منه ، ويجوز أن يكون التراخى رتبيا على أن خلقها من ضلع أعظم من خلقهم من نطفة ، على أن المراد بخلقهم من نطفة وهو متأخر عن خلقها زمانا ، وقد يكون خلقهم من نطفة أعظم من خلقها من ضلع ، لأن النطفة ميتة ، والضلع حى ، ولكونها بتغيير بعضه عن حاله الأول ، عبر الجعل فليس التعبير به لكون خلقها أعظم من خلقه .

روى أنه أخرج ذريته من ظهره كالذر ، ثم خلق زوجه من قصيرى ضلعه الأيس أسفل الأضلاع ، وبقى بعضه ، أو جعل كله حواء ، فالعطف على خلقكم بمعنى أخرجكم مجازا ، ويجوز عطفه على نعت ثان محذوف ، أو على مستأنف للبيان أى خلقها ، ثم جعل منها ، ويجوز عطفه على واحدة ، ولو تغلبت عليه الاسمية لجواز ملاحظة الحدث فيه ، أى وحدت ثم جعل منها مع عدم شهرة فعل الواحدة الثلاثى .

﴿ وأنْزل لَكُم مِن الأنْعام ﴾ أثبت لكم فى اللوح المحفوظ ، وعبر بالانزال عن الاثبات ، لأن المثبت فى اللوح المحفوظ تنزل الملائكة باظهاره على الاستعارة الأصلية واشتق منه أنزل على التبعية ، والجامع الظهور الارسالى ، فالتبعى لعلاقة السببية أو اللزوم ، فثبوته فى اللوح سبب لنزوله وملزوم له ، ويجوز أبقاء الانزال على حقيقته ، وهو انزال المطر الذى هو سبب حياتها ، لأنها لا تعيش إلا بالنباب ، ولا نبات إلا بالماء ، وهو ينزل من السماء فكأنها نزلت من السماء ، وذلك متبادر ، ولا دليل على ما قيل إنها خلقت فى الجنة مع آدم ، ثم أنزلت منها ، ومن للبيان متعلقة بمحذوف حال من قوله :

﴿ ثمانية أزْواجٍ ﴾ ذكور الضأن والمعز ، والبقر والإبل ، وإناثها ، والعطف على خلقكم أو على جعل على أن ثم لغير ترتيب الزمان ، لأن الصحيح ، أن الأنعام وغيرها من الحيوان ، خلقت قبل آدم ، وضعف القول بأن الأنعام خلقه ، وقدم لكم بطريق الترغيب والاعتناء بما صدر والتشويق الى ما أخر ﴿ يخْلُقكُم ﴾ خطاب لبنى آدم المخاطبين بقوله : « خلقكم » وإن جعلناه للأنعام ولبنى آدم ففيه تغليب العقلاء على غيرهم فى الضمير ، والمخاطبين على ما استحق كلام الغيبة من أن يقال يخلقها ﴿ فى بُطُون أمَّهاتِكمْ خلقا من بعْدِ خَلْقٍ ﴾ علقة بعد نطفة ، ومضغة بعد علقة ، وعظما بعد مضغة ، ولحما وجلدا وعروقا عظم ، وهذه الأطوار فى بنى آدم والأنعام ونحوها ، ومن متعلق ، بخلقا أو بيخلق ، بمحذوف نعت لخلقاً ﴿ فى ظلمات ﴾ لا يتعلق بيخلق ، لأنه قد علق فيه فى بطون وحرفا جر لمعنى واحد لا يتعلقان بعامل واحد إلا على التبعية ، كما اذا جعلنا فى ظلمات بدلا من ﴿ فى بطون ﴾ ويجوز تعليقه بخلقا ﴿ ثلاثٍ ﴾ ظلمة البطن ، والرحم والمشيمة ، وقيل : ظلمة الصب ، والبطن ، والرحم ، فى هذا المشيمة ، ولعل إلغاءها لأنها لا يلزم أن تكون ، وعلى كل حال ألغى صرد المرأة ، مع أن ماءها منه ، كما أن ماء الرجل من ظهره ، ولعل إلغاءه لقلته .

﴿ ذَلكم ﴾ الفاعل لما ذكر ﴿ الله ﴾ المستحق لا ألوهية لفظا ومعنى ، ولا يستحق الألوهية لفظا ولا معنى غيره ، لأنه لا يفعل فعله ، وهو خبر أو بدل أو بيان أو نعت على التأويل بالمعبود ﴿ ربُّكم ﴾ خبر ثان ، أو خبر أو بدل أو نعت بمعنى المربى لكم فى تلك الأطوار ، وبعدها ﴿ لَه المُلْك ﴾ خبر ثان أو ثالث أو خبر ﴿ لا إله إلا هُو ﴾ خبر آخر ، أو خبر والأولى أنه مستأنف ﴿ فأنَّى ﴾ كيف ﴿ تُصْرفُون ﴾ عن عبادته واعتقاد ألوهيته ، مع كمال الدواعى إليهما وانتفاء الصوارف .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٤