قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ٥٣
الرسم الإملائيّ
قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الجزء ٢٤الربع ١٨٦ صفحة ٤٦٤
تفسيرها
}قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴿ (لعله) بارتكاب الكبائر، قالوا: كيف نتوب فلا يغفر لنا ؟ فأرشدهم الله ، وهو كقوله ﴾وَلاَ تُلقوا بأيديكم إِلىَ التَّهلُكَة… ﴿الآية، ﴾ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿ لا تيأسوا من مغفرته أن تبتم من إسرافكم؛ أو لا تصـروا على الإسراف بل توبوا ﴾إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴿ إذا أتيتم شروطها ، لأن لكل ذنب حكما، ﴾إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53){
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١١١
قال : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾ بالشرك والكبائر الموبقة . ﴿ لاَ تَقْنَطُوا ﴾ أي : لا تيأسوا ﴿ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ على التوبة ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ .
ذكروا عن الحسن أنه قال : لما نزل في قاتل المؤمن وفي السارق والزاني وغير ذلك ما نزل تخوَّف قوم أن يؤاخذوا بما عملوا في الجاهلية فقالوا : أينا لم يفعل ، فأنزل الله : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ أي : لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ، ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وأنزل ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إِلهاً ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ . . . ﴾ إلى قوله : ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [ الفرقان : 68-70 ] أي : لمن تاب إليه إذ جعل له بعد ذنوبه متاباً ومرجعاً .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١١١
﴿ قُلٌ ﴾ عنى ليقى الطمع ، ويزول الإياس ﴿ يا عبادى الَّذينَ أسرَفُوا على أنْفسِهِم ﴾ أفرطوا فى المعاصى كائنة ما كانت ، فلا معصية تخرج عن الآية فتقبل توبة الزانى وآكل الربا ، وقاتل النفس المؤمنة ، ولو كانت سعيدة عند الله وغيرهم اذا تابوا ، والمرائى اذا تاب فيرجع عمله كأنه لم يراء ، ومن الاسراف الاصرار على صغيرة واحدة ، والاسراف الأفراط فى شىء مال أو غير مال حقيقة ولو كثر فى المال ، ولما كان مضرة عدى بعلى ، أو ضمن معنى الجناية ، والعباد على العموم ، والاضافة الاجنس ، وقيل المؤمنون ، فالاضافة للتشريف ، وعموم المؤمنين ، أو للعهد فى قوله المتقدم يا عبادى ﴿ لا تقْنطُوا ﴾ لا تيأسوا ﴿ مِن رحْمَة الله ﴾ من مغفرته فانها رحمة أو مغفرة ، وادخال الجنة أو رحمته الجنة لأن المذنب يقنط من الجنة بدخول النار ، وداخل الجنة مغفور له ، لا يدخلها بلا غفران .
ويروى أن أخوين أحدهما مجتهد فى الطاعة ، والآخر مسرف فى المعاصى واجتهد المطيع لله تعالى فى نهيه حتى قال له : والله انك من أهل النار ، وماتا ، وقال الله تعالى للمطيع : ادخل النار ، لأنك أقنطت عبدى من رحمتى الواسعة ، وقال للمسرف ادخل الجنة ، ومعى ذلك أن العابد لم يقل للعاصى تدخل النار ان شاء الله عز وجل ، وأو أن لم تتب ، صغائر وكبائر ﴿ جَميعاً إنَّه هُو الغَفُور الرَّحيمُ ﴾ المغفرة الستر ، فاذا غفر الذنب فقد ستر اذ لم ير عقابه ، فكأنه لم يكن ، وكأنه غير ذنب ، أو المغفرة محوه من صحيفة المذنب ، والتوبة شرط ، كما شرطت فى مواضع من القرآن ، والمطلق يحمل على المقيد ، ولو لم يحمل على المقيد رجعت هذه الآية الى كل ما شرط فيه التوبة ، فيبطل الشتراط التوبة ، فيتناقض الكلام ، والقرآن ككلام واحد .
روى أبو داود والترمذى ، عن اسماء بنت يزيد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ : قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالى انه هو الغفور الرحيم ، قال قوم : يا محد ان ما تقول حق ، لكن أشركنا وزنينا وقتلنا ، فول أخبرنا بكفارة لذلك ، فنزل : ﴿ والذين لا يدعون ﴾ الى قوله تعالى : ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ونزل : « قل يا عبادى الذين أسرفوا » ويروى سمعوا الآية الى قوله : ﴿ مهانا ﴾ فأيسوا ، فنزل : ﴿ إلا من تاب ﴾ الخ يبدل الله اشراكهم توحيدا ، وزناهم احصانا .
ويروى أنهم قالوا : هذا شرط وهو العمل الصالح ، فنزل : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الخ ونزل : « قل يا عبادى » كأنهم توهموا أنه لا يغفر لمن أسلم وتاب وعمل صالحا ، وعصى بعد فأخبرهم أن التوبة تقبل أيضا بعد هذا العصيان لقوله :
﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ وقوله : « قل يا عبادى » الخ ورجع بهذه الآية قوم ارتدوا فأسلموا ، وكان الصحابة يقولون : إن حسناتهم مقبولة لا يبطلها شىء ، فنزل : ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ فكانوا يخافون ولا يرجون لمن فعل كبيرة ، فنزل : « لا تقنطوا من رحمة الله » فخافوا ورجوا ، ومعنى لا يبالى أنه يكتفى بالتوبة ولو كثرة الذنوب ، وعظمت ولم يرد به أنه يغفرها ولو بلا توبة ، بدليل دلائل اشتراط التوبة ، ويوجد اشتراهطها قوله تعالى :
﴿ وأنيبوا إلى ربِّكُم وأَسْلمُوا لَه مِنْ قبْل أنْ يتأتِيكُم العذابَ ثمَّ لا تُنْصرُونَ ﴾ عطفا على ﴿ لا تقنطوا ﴾ ومعنى ﴿ أنيبوا إلى ربكم ﴾ ارجعوا الى ربكم بالاعراض عن المعاصى ، والتوبة عما صدر منها ، وقيل : بالانقطاع اليه بالعبادة ، فهو أخص من التوبة على هذا القول ، وقيل : التوبة من خوف العقاب ، والانابة استحياء لكرمه تعالى ، والاسلام له اخلاص العبادة له تعالى ، قال عطاء : نزلت الآية فى وحشى ، رواه ابن جرير ، وروى أيضا عن ابن عباس رضى الله عنهما ، أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من قتل النفس وعبد غير الله لا يغفر له ، فكيف نهاجر ونسلم ، وقد فعلنا ذلك؟ فنزلت ، وأيضا ارتد عياش بن ربيعة ، والوليد ، ونر لما عذبهم المشركون ، فكان المسلمون يقولون لا تقبل توبتهم ، فنزلت ، فكتبها عمر رضى الله عنه اليهم ، فأسلموا وهاجروا .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١١١