أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَاۤءَ ٱلَّیۡلِ سَاجِدࣰا وَقَاۤئِمࣰا یَحۡذَرُ ٱلۡءَاخِرَةَ وَیَرۡجُوا۟ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ٩
الرسم الإملائيّ
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
الجزء ٢٣الربع ١٨٤ صفحة ٤٥٩
تفسيرها
}أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ﴿ قائم بوظائف الطاعات؛ والقانت: المقيم على الطاعة في كل الأوقات ، راجيا خائفا عالما أن وعد الله حق، ﴾آَنَاءَ اللَّيْلِ﴿ ساعاته؛ والمعنى: أمن هو قانت لله كمن جعل له أنداد، ﴾سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴿؟ نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيها باعتبار القوة العلمية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم ﴾إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴿ يتعظ بوعظ الله ﴾أُولُو الْأَلْبَابِ (9) { بأمثال هذه البينات .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٧
قوله : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ أي : قائم في الصلاة ﴿ ءَانَآءَ الَّيْلِ ﴾ أي : ساعات الليل ﴿ سَاجِداً وَّقَآئِماً ﴾ قال بعضهم : هو الذي ﴿ يَحْذَرُ الأَخِرَةَ ﴾ أي : يخاف عذابها ﴿ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ أي : الجنة . يقول : أمَن هو قانت كالذي جعل لله أنداداً يعبد الأوثان دونه ، أي : ليس مثلَه .
قوله : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي : هل يستوي هذا المؤمن ، الذي علم أنه مُلاق ربه ، الذي يقوم آناء الليل ، وهذا المشرك الذي جعل لله أنداداً ، أي : إنهما لا يستويان . [ ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ أي : إنما يقبل التذكرة ﴿ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ﴾ أي : أصحاب العقول ، وهم المؤمنون ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٧
﴿ أمَّن ﴾ الاستفهام تقرير ، ومن موصول مبتدأ ، والخبر محذوف مع معادلة أى الذى ﴿ هُو ﴾ على عمومه ، ولو قيل عن ابن عباس : نزلت فى أبى بكر وعمر ، وعن ابن عمر : نزلت فى عثمان ، وقيل : نزلت فى ابن مسعود وعمار وسلمان ، وسبب النزول لا يخصص ﴿ قَانِتٌ آناء الليْل ساجدا وقائما يحْذر الآخرة ويَرجو رَحْمة ربِّه ﴾ خير أم أنت أيها الكافر ، والقانت القائم بما وجب من الطاعات ، وتطوع العبادات فى السراء والضراء وآناء الليل ساعات الليل ليتمكن من تحقيق فقط ، كعادتك أيها الكافر ، وساجداً حال من المستتر فى قانت ، ويحذر حال ثانٍ أو حال من المستتر فى ساجدا ، أو مستأنف جوابا ، كأنه قيل : ما باله قال : ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أى عذابها ، ﴿ ويرجوا رحمة ربه ﴾ فى الآخرة .
عن أنس : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مختصر فقال : « كيف تجدك؟ » قال : أرجو وأخاف ، فقال صلى الله عليه وسلم : « لا يجتمعان فى قلب عبد فى مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذى يرجو وآمنه الذى يخاف » والآية تدل على وجوب الكون بين الخوف والرجاء ، فما جاوز حد الخوف كان أمنا ، وقد قال الله تعالى : ﴿ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ وما جاوز حد الرجاء كان إياسا وقد قال الله تعالى : ﴿ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ وتدل على فضل صلاة الليل لاجتماع القلب فيه ، وعلى جواز الايمان والعمل الصالح ، خوفا من النار ، وعلى جوازهما لدخول الجنة ، وعلى جوازهما للنجاة من النار ، ودخول الجنة ، وجاز من الحديث القصد بهما لإجلال الله تعالى لا خوفا من النار ، ولا طمعا فى الجنة ، كصهيب ورابعة العدوية ، ومن قال : لولا الجنة أو لولا النار ، أو نحوهما ما عبدت الله ذما لنفسه إذ كانت لا تعبد إجلالا له تعالى ، بل لذلك ، فلا بأس وأن قاله استخافا بحق أو لولا أنه يعاقبنى ما عبدته أشرك .
﴿ قُل ﴾ لذلك الكافر تقريرا وتصريحا بالحق ، وتنبيها عن الأعراض والغفلة ﴿ هَل يَسْتوى الَّذين يعْلَمُون ﴾ يدركون الحق فعلموا به ، فلزموا الطاعات ، وخافوا العقاب على التقصير ، ورجو الرحمة ﴿ والَّذين لا يعْلمُون ﴾ لا يدركونه فعلموا بجهلهم وهواهم ، مثلك أيها الكافر الجاعل لللأنداد ، لا يستوون ، العالمون العلم الحقيق الذى أثمر العمل الصالح ، ترك المعاصى فى أعلى وفى خير ، والدين لا يعلمون فى أسفل ، وفى شر ، والعالم بلا عمل كالجاهل ، وقد يعتبر أنه أشد عنادا من الجاهل ، والآية على العموم ، ولو قال يحيى بن سلام : المراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن عباس : أبو بكر وعمر ، وقال مقاتل : عمار وصهيب وابن مسعود وأبو ذر ، وقال عكرمة : عمار ، وعن ابن مسعود فى رواية : المراد عمار ، وفى أخرى عما روى ابن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة .
﴿ إنَّما يتذكَّر ﴾ بالدلائل المذكورة فيزدجر عن الاشراف والمعاصى ﴿ أولُوا الألبَاب ﴾ العقول الخالصة عن الشبه لا هؤلاء الكفرة ، فانهم بمعزل عن التذكر .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٦٧