سورة النساء · الآية ٨٦ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
وَإِذَا حُیِّیتُم بِتَحِیَّةࣲ فَحَیُّوا۟ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَاۤ أَوۡ رُدُّوهَاۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءٍ حَسِیبًا٨٦
الرسم الإملائيّ

وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا

الجزء ٥الربع ٣٦ صفحة ٩١

تفسيرها

[سورة النساء — آية 86]

﴿ وَإِذَا حُيِّيْتُم ﴾ أي : سُلِّم عليكم ؛ فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين ، ﴿ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ أي : يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٩

[سورة النساء — آية 86]

قوله : ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ . التحية : السلام قال الحسن : معنى أحسن منها : إذا قال الرجل السلام عليكم رُدَّ عليه : السلام عليكم ورحمة الله ، وإذا قال : السلام عليكم ورحمة الله رُدَّ عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . قوله : ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ . أي : أي ردوا عليه مثل ما سلَّم ، وهذا إذا سلم عليك المسلم . ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ .

ذكر بعضهم أن رسول الله كان جالساً إذ جاء رجل فقال : السلام عليكم فقال رسول الله : « عشر » ، أي : عشر حسنات . ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فقال النبي عليه السلام : « عشرون حسنة » ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثون حسنة . ثم قال : هكذا تفاضل الناس من قعد فليسلم ، ومن قام فليسلِّم . ثم قام رجل فلم يسلِّم فقال رسول الله : ما أسرع ما نسي هذا » .

ذكروا عن عبد الله بن عمر قال : إلى وبركاته انتهى السلام .

ذكروا أن رجلاً من اليهود مر بالنبي عليه السلام فقال : السام عليكم . فقال النبي : « وعليكم السلام » فأخبر جبريل النبي أنه قال : السام عليكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا : عليك . أي عليك ما قلت » .

وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه » .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٩

[سورة النساء — آية 86]

﴿ وَإذَا حُيّيِتُمْ بِتَحِيَّةٍ ﴾ جائزة شرعاً ، سلام أو غيره واختار النبى صلى الله عليه وسلم السلام عليكم وجعله حسنة مؤكدة عند الملاقاة ، وقيل واجبة ، وأما عند دخول بيوت غيركم فالسلام واجب بنص القرآن ، وقال الجمهور : المراد إذا حييتم بلفظ من ألفاظ السلام ، مثل السلام عليكم ، وسلام عليكم ، وعليكم السلام ، وعليكم سلام ، وعليكَ وعليكِ وعليكما وعليكن بجواز الجمع والتذكير ولو مع المفرد المؤنث لقصد الملائكة ، والسلام عليكم ورحمة الله ، وينبغى الجمع فى الفرد والاثنين ليعم الملائكة بقصده فيجيبوا ، ودعاؤهم لا يرد ، والتحية تفعلة أصله تحيية بإسكان الحاء وكسر الياء والأولى وفتح الثانية ، نقلت كسرتها للحاء وأدغمت فى الثانية ، وأصل هذا تحيى بوزن تعليم وتقديس ، حذفت الياء الثانية وبقيت الأولى والثالثة ، وعوضت التاء عنها ، وأصل معناه دعاء ببقاء الحياة ثم جعل دعاء بالخي ، وكل خير معه حياة ، وقيل المراد العطية ، وهو قول قديم للشافعى ببغداد أو بمصر فجديد ، فيكافىء بأفضل أو بالمثل ، ويقال تحية النصارى وضع اليد على الفم ، وبعض منه بالكف ، واليهود الإشارة بالأصابع ، والمجوس الانحناء والعرب ، عم صباحا ، وحياك الله ، وبعد الإسلام السلام عليكم ﴿ فَحَيُّوا ﴾ من حياكم ، ويكفى رد الصبى والمرأة والعبد ، وقيل فى الشابة المشتهاة إنه لا يجزى ردها ، ولا يجزى رد المشرك ، وقيل يجزى ﴿ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ ﴾ إن كان من سلم عليكم مؤمناً ، وقال البخارى : فى الأدب ، وابن أبى شيبة مطلقاً ، ويعنى للمشرك أمر الدنيا كما قال الشعبى ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ ردوا مثلها ، فأحسن منها ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، ورد مثلها وعليك السلام ، قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : عليك ورحمة الله وبركاته ، فقالك وعليك ، فقال نقصتنى فأين ، ما قال الله تعالى؟ وتلا الآية فقال : إنك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله ، والرجل توهم أن الزيادة لا نهاية لها ولم يدر أناه انتهت فى البركات ، كما روى أن أحداً زاد لابن عباس على البركات ، فقال ابن عباس انتهى فى البركات ، وذلك لحصول أقسام المطالب ، السلامة من الآفات وحوز المنافع وثباتها ، وقيل السلام من السلم ضد الحرب ، وقيل الله بمعنى رحمة الله بتقدير مضاف ، وقال معاذ بزيادة ومفغرته ، كما روى أبو داود والبيهقى ، وزاد ابن عمر لسالم مولاه ، إذ سلم عليه وطيب صلواته ، رواه البخارى فى الأدب ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « اسلام عليكم بعشر حسنات ، والسلام عليكم ورحمة الله بعشرين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته بثلاثين » ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ، أى وعليكم ما قلتم » ، لأنهم يقولون السام عيكم ، والمراد اليهود لأنهم الغاشون ، وأنهم المعتادون المجاورون فى المدينة وأعمالها ، ويدل له ما روى لا تبتدىء اليهودى بالسلام ، وإن بدأك فقلو وعليك وربما لم يرد سوءاً فلا يضرنا أن يكون عليه ما قال ، وهو سلامة البدن والمال مثلا ، وزعم أبو يوسف ، أنه إن قيل لك أقرىء فلاناً منى السلام ، وجب عليك أن تبلغه ، وليس كذلك إلا إن أنعمت له ، قيل أو سكت ولعله أراد هذا ﴿ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً ﴾ يحاسبكم على التحية والرد وغيرهما ، ولا يسلم على مشتغل بالخطبة والقراءة أو الحساب أو غير ذلك ، ولا من فى الحمام ، وقيل إن كان بلا إزار ، وفى قضاء حاجة الإنسان ، أو فى معصية ، والسنة السلام فى المسجد ، كما ذكر الربيع والبخارى أن الناس سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد ولم ينههم ، ويرد عليهم السلام ، وكثر ذلك والحمد لله ، أما من رأيته يصلى أو يقرأ أو يذكر الله فى المسجد فذلك لا يسلم عليه لأجل اشتغاله ، ومن لم تر منه ذلك فسلم عليه ، ولو احتمل أنه فى ذكر أو قراءة كما يسلم الصحابة على النبى صلى الله عليه وسلم كان وحده أو مع الناس .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٩