[سورة فصلت — آية 21]
﴿ وقالوا لجُلودهِم لِمَ شَهدتُم عليْنا ﴾ خصوا الجلود بالسؤال لكثرة أجزائها الشاهدة على صاحبها ، المدافع عنها ، فكنت شهادتها أعجب وأنسب للسؤال ، أو تخصيص ، بل الجلود يعم السمع والبصر ، بمعنى موضعهما ، وان أريد نفس قوة السمع والبصر لا محلهما ، فانما خصوا الجلود بالسؤال ، لأنها ترى بخلاف السمع والبصر ، بمعنى ما أودع فى الجارحتين ، ولأن هذا المودع فيهما لا يدرك العذاب ، بخلاف الجلود فانها تدركه كما يشعر به قوله تعالى : ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ الخ وصيغة العقلاء فى شهدتم ، وقوله عز وجل :
﴿ قالُوا أنْطَقنا الله الذى أنْطَق كلَّ شىءٍ ﴾ لأن الله عز وجل جعل لها العقل ، أو لوقوعها فيما هو من شأ ، العقلاء ، وهو السؤال والجواب ، وقيل : ليس السؤال سؤالا ينتظر له جواب ، بل مطلق تعجب ، ومع ذلك أجيبوا بالنطق كنطق اللسان ، بأن شهادتنا ليست بأعجب من إنطاق الله الذى أنطق كل شىء ، والمراد بكل شىء كل ما نطق نطقا حقيقا ، كالملك والأنس والجن ، وما أنطق الله تعالى من الحيوانات ، مع ا ، لهن نطقا غير نطقنا ، وما أنطق الله تعالى من الجماد لا كل شىء على العموم ، وذلك كقوله تعالى : ﴿ والله على كل شىء قدير ﴾ فانه لا يقال : الله قادر نفسه ولا على المحال كما لا يقال عاجز عن ذلك ، وقوله تعالى : ﴿ تدمر كل شى ء بأمر ربها ﴾ فانها لا تدمر كل شىء على العموم .
﴿ وهو خَلَقَكُم أول مَرة وإليْه تُرجَعُون ﴾ فكيف لا يقدر على انطاقنا ، هذا آخر كلام الجلود ، أو آخره من الخاسرين ، وقيل آخره أنطق كل شىء ، وإذا كان هذا من كلام الله لا من كلامهما يقوله الله لهم يوم القيامة لقوم عاد وثمود ، أو لأهل مكة أو الكفرة كلهم ، فمعنى ﴿ إليه ترجعون ﴾ مع أنهم فى المحشر رجوعهم اليه بالحساب والنار والخلود ، لا ما يشمل البعث ، الهم إلا باستحضار ما مضى من البعث ، وجعل المضارع للتجدد ، ويجوز أن يراد البعث الماضى استحضارا لصورته ، والواضح أن ذلك من كلام الجلود والبحث كذلك ، لأنها تقول ذلك بعد البعث ، وأما أن كان من كلام الله لكفار مكة أو للكفار مطلقا يوم القيامة فلا اشكال ، والمراد بالرجع البعث .