سورة الشورى · الآية ٣٠ من ٥٣

‹ السورة السابقة
وَمَاۤ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِیبَةࣲ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِیكُمۡ وَیَعۡفُوا۟ عَن كَثِیرࣲ٣٠
الرسم الإملائيّ

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ

الجزء ٢٥الربع ١٩٥ صفحة ٤٨٦

تفسيرها

[سورة الشورى — آية 30]

}وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴿ كانت دنيوية أو دينية، لأنها كأنها مخصوصة بالعاصين، ﴾فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴿ بسبب معاصيكم ﴾وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴿ من الذنوب ولا يعاقب عليها؛ وقيل: الآية مخصوصة بالمجرمين، فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر، منها: تعرضه للأجر العظيم، والصبر عليه، ويدلك على ذلك قوله: ﴾وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴿ فائتين ما قضى عليكم من المصائب، ﴾وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴿ يحرسكم عنه، ﴾وَلَا نَصِيرٍ (31){يدفعه عنكم.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٠٢

[سورة الشورى — آية 30]

قوله : ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ أي : فبما عملتم ﴿ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ وهو مثل قوله : ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ﴾ [ الحديد : 22 ] أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة .

في تفسير الحسن : إن الله كتب عنده كتاباً : إن ذنب كذا عقوبته كذا ، فيعفو الله عن أكثر ذلك ، ويعاقب من ذلك ما يشاء .

ذكروا عن علي بن أبي طالب قال : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً حق على المسلمين أن يعوه ، سمعته يقول : « ما عاقب الله عليه في الدنيا ثم عفا عن صاحبه بعد التوبة فالله أحلم من أن يثني عقوبته في الآخرة ، وما عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يرجع في عفوه » .

ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنه رأى بوجه رجل خدشاً فقال : ما هذا؟ قال يا رسول الله ، كنت في طريق ، فرأيت امرأة فجعلت أنظر إليها حتى صدمت بوجهي الحائط ولم أشعر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أراد الله بعبد خيراً عجّل عقوبة ذنبه في الدنيا ، وإذا أراد الله بعبد شراً أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه يوم القيامة » .

ذكروا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تزال البلايا للمؤمن في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة » .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٠٢

[سورة الشورى — آية 30]

﴿ وما أصابكُم ﴾ أيها المكلفون المؤمنون والكافرون ﴿ مِنْ مُصيبةٍ ﴾ كمرض وحزن واحتياج ﴿ فبما كَسَبت أيديكُم ﴾ من الذنوب ، أو من سوء التدبير لأبدانكم وأحوالكم ، وما موصولة لعدم الفاء فى جوابها ، ولداع مثل هذا يقال بموصلوليتها ، لأن الأصل أن لا تحذف الفاء فى جواب الشرط ، ولو كان الشرط ما ضياً ، وليس أنكم لمشركون جوابا لأن فى سورة الأنعام ﴿ بما كسبت أيديكم ﴾ خبر ، ويجوز أن تكون شرطية ، ويقدر الجواب بما يصلح شرطا ، فلا يحتاج للفاء ، أى أصابكم بما كسبت أيديكم ، ويدل على ذلك قراءة فيما بالفاء ، التى هى أصل فى الشرطية ، أى فاصابته إياكم بما كسبت أيديكم ﴿ ويعْفو عن كَثيرٍ ﴾ من ذنوبكم ، وسوء تدبيركم ، لا يترتب عليه سوءا ، أو عن كثير من الناس ، والمتبادر الأول ، ويدل له رواية أبى موسى ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر » وقرأ ﴿ ما أصابكم ﴾ الآية رواه الترمذى .

ولما نزلت قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم : « والذى نفسى بيده ما من خدش عود أو اختلاج عرق ولا نكبة حجر ، ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عز وجل عنه أكثر » وعن عكرمة : ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها الا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بها أو درجة لم يكن الله ليرفعه لها إلا بها « وفى الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة « وكانت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه تصدع فتقع يدها على رأسها وتقول : بذنبى وما يغفر الله تعالى أكثر .

وقيل لشريح : بم هذه الفرحة فى كفك؟ فقال : بما كسبت يدى وما أصاب الأنبياء ونحوهم ممن لا ذنب له ، فهو لرفع الدرجات ، أو لتأديب عن شىء ما ، وما أصاب الطفل ونحوه ممن لم يكلف يثاب عليه فى الآخرة ، ويثاب عليه أبواه ، ومن يشق عليه بحسن الصبر ، قال على : ألا أخبركم بأفضل آية فى كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ » وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير « وسأفسرها لك يا على ، وما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا ، فبما كسبت أيديكم ، والله تعالى أكرم من أن يثنى عليكم العقوبة فى الآخرة ، وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله سبحانه أكرم من أن يعود بعد عفوه ، ولا يخفى أن المراد ما تيب عنه ، وأما ذنب أصيب ولم يتب عنه ، فمعاقب عليه فى الآخرة ، وما أصيب به من جلد وقطع ونحوهما لا يكفر عنه ذنبه إن لم يتب عوقب بذنبه فى الآخرة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٠٢