سورة الشورى · الآية ٤٣ من ٥٣

‹ السورة السابقة
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ٤٣
الرسم الإملائيّ

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

الجزء ٢٥الربع ١٩٥ صفحة ٤٨٧

تفسيرها

[سورة الشورى — آية 43]

}وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴿ على ما أباحه الله لهم كراهة التذلل مع القدرة على إعزاز الدين لله وأهله. ﴾وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴿عدة مبهمة تدل على عظم الموعود، ﴾إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴿ المبتدئين بالسيئة، والمتجاوزين في الانتقام. ﴾وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴿ بعدما ظلم ﴾فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)﴿ بالمعاتبة والمعاقبة. ﴾ِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴿ يبتدئونهم بالإضرار، ويطلبون ما لا يستحقون تجبرا عليهم، ﴾وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴿ على ظلمهم وبغيهم. ﴾وَلَمَنْ صَبَرَ﴿ على الأذى، ﴾وَغَفَرَ﴿ وعفى عن الانتصار،﴾إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43){ إن ذلك من ثمرة العزم ونتائجه، الرغبة في الثواب هو من عزم الأمور.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣١٥

[سورة الشورى — آية 43]

﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ أي : بكفرهم وتكذيبهم ، يعيبهم بذلك . ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي : موجع ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ .

وهذا كله منسوخ فيما بينهم وبين المشركين ، نسخه القتال وصار العفو فيما بين المؤمنين . أمرنا بالعفو فقال : ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ [ آل عمران : 134 ] ، وقال : ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾ [ النور : 22 ] .

ذكروا عن أبي الأحوص عن أبيه قال : قلت يا رسول الله ، إن لي جاراً يسيء مجاورتي ، أفأفعل به كما يفعل بي . قال : « لا ، إن اليد العليا خير من اليد السفلى » .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣١٥

[سورة الشورى — آية 43]

﴿ ولَمن صبَرَ ﴾ للظلم ، أو بمعنى ، أو بمعنى أصلح ﴿ وغفَرَ ﴾ للظالم حيث لا ينقص دين الله بذلك ﴿ إنَّ ذَلكَ ﴾ المذكور من الصبر والغفران ﴿ لِمَن عَزم الأمور ﴾ أى الأمور ذات العزم ، أى المعزوم عليها أى التى عالج النفس وقهرها عليها ، إذ صبر وغفر مع القدرة ، أو الأمور العازمة ، واللام للابتداء لا للقسم ، إذ لا دليل عليه ، ومن موصولة لا شرطية لاحتياجها الى حذف الجواب ، أو تقدير الفاء واللام فى قوله : ﴿ لمِن عزم الأمور ﴾ لام التأكيد ، خبر ان لا لام القسم ، ورابط المبتدأ محذوف أى ان ذلك منه ، أو الإشارة الى ما أضيف الى ضميره ، أى إن ذلك المذكور من صبره أو غفره ، أو إن فعله ذلك ، وفى الحقيقة الربط بهذا الضمير ، أو الاشارة الصابر الغافر ، فهى الرابط على حذف مضاف ، أى ان شأن ذلك الصابر الغافر لمن عزم الأمور .

قالت عائشة رضى الله عنها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كنت بين شر جارين بين أبى لهب وعقبة بن أبى معيط ان كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابى حتى إنهما ليأتيان ببعض ما يطرحان فيطرحانه على بابى » قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال موسى بن عمران : يا رب من أعز عبادك عندك؟ قال من اذا قدر غفر » رواه البيهقى ، قال أنس : « اذا أوقف الله العباد الحساب ، نادى مناد ليقم من أجره على الله تعالى ، فليدخل الجنة ، ثم نادى الثانية ليقم من أجره على الله تعالى قالوا : من الذى أجره على الله تعالى؟ قال العافون عن الناس فقام كذا وكذا ألفا فدخلوا الجنة بغير حساب » كذا رواه البيهقى .

وعن أبى هريرة : شتم أبا بكر رجل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم ، فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقام ، ولحقه أبو بكر رضى الله تعالى عنه ، فقال : يا رسول الله كان يشتمنى وأنت جالس ، فما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟ قال : « إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان » ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث من الحق : ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضى عنها الله تعالى إلا أعزه الله عز وجل بنثره ، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله تعالى بها كثرة ، وما فتح رجل باب مسألة إلا زاده الله بها قلة » وفى هذه الرواية عتاب الصديق على ترك الأولى ، لا منافاة للآية ، فقد روى النبى صلى الله عليه وسلم ولم تنته ، فقال صلى الله عليه وسلم : « سبيها » فسبتها حتى جف ريق زينب ، ووجهه يتهلل أى زاد تهللا بالانصاف لها ، أو بقى على حاله من التهلل لم يتغير ، وقيل الأولى رفع المسىء الى من يحكم بالحق .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣١٥