وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤئِ حِجَابٍ أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولࣰا فَیُوحِیَ بِإِذۡنِهِۦ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ عَلِیٌّ حَكِیمࣱ٥١
الرسم الإملائيّ
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
الجزء ٢٥الربع ١٩٦ صفحة ٤٨٨
تفسيرها
}وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴿ وما صح له أَنْ ﴾يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴿ كلاما خفيا يدرك بسرعة، لانه تمثيل ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة، ﴾أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴿ قيل: المراد به: الإلهام، والوحي المنزل به الملك إلى الرسل، ﴾أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴿ قيل: الرسول هو الملك الموحي إلى الرسول، ﴾إِنَّهُ عَلِيٌّ﴿ عن صفات المخلوقين، ﴾حَكِيمٌ (51){ يفعل مل تقتضيه حكمته.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٢٣
قوله : ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ [ فكان موسى ممن كلمه الله من وراء حجاب ] .
ذكر جماعة من العلماء أن الحجاب بيّن ، والوحي منه وحي بإرسال ووحي بإلهام؛ وذلك قول الله : ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ [ القصص : 7 ] فهذا وحي إلهام ، وكذلك : ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾ [ النحل : 68 ] أي : ألهم ربك النحل . والوحي إرسال . الذي أوحى الله تبارك وتعالى إلى أنبيائه مع الروح الأمين؛ فربما ظهر للرسول جبريل ، وربما جاء بالوحي يُسمعه إياه ولا يراه . وهو قوله : إلا وحياً إلهاماً ، أو من وراء حجاب . جبريل احتجب عن محمد عليه السلام غير مرة ، فربما ظهر له وربما ناداه فلم يره محمد فهو قوله : ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ .
حدثنا أبو داود عن عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب أنه مرّ بالقصابين فسمع أحدهم يقول : والذي احتجب عن خلقه بسبع طبقات ، فعلاه بالدرة وقال له : تب ، إن الله أقرب إليه من حبل الوريد . قال القصّاب ، أفلا أكفّر بشيء؟ قال : لا ، لأنك حلفت بغير الله .
وحدثنا أبو عبد الرحمن البصري عن يوسف أبي الفضل عن إسحاق الهمداني عن الحارث ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بنحو ذلك إلا أنه قال : أخطأت ، ثكلتك أمك ، إن رب العالمين ليس بينه وبين خلقه حجاب ، لأنه معهم أين ما كانوا . فقال : ما كفارة ما قلت؟ قال : أن تعلم أنه معك أين ما كنت؛ فالمتكلم الله على لسان جبريل ، والمحتجب جبريل .
وقوله : ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ تكرير في القول سبحانه . كقوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ الحج : 77 ] . وفعل الخير عبادته ، وكرّر الكلام عز وجل .
قال : ﴿ فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء ﴾ يعني جبريل ، يرسله إلى من يشاء من رسله ، فيوحي إليهم معه ما يشاء . ﴿ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٢٣
﴿ أو يُزوجهُم ذُكرانا واناثا ﴾ كرسول الله صلى الله عليه وسلم له أربعة بنين وأربع بنات ، والتزويج جعل الشىء زوجا ، فذكرانا حال من الهاء ، أى يزوج الأولاد ذكرانا واناثا أى يخلق ما يهب لهم زوجا زوجا ، وعطف بأو لأنه قسم الانفراد المشتركين الأولين ، والواو للمعية ، لأن حق ما بعدها التأخير عن القسمين سياقا ووجودا ، أو لأن المراد : يهب لمن يشاء ما لا يهواه ، ويهب لمن يشاء ما يهواه ، او يهب النوعين ، ولتركبه منهما لم يذكر المشيئة .
﴿ ويَجْعل مَن يشاء عقيما ﴾ لا يولد له كيحيى وعيسى ، ذكر المشيئة لأنه قسم آخر ، قال مجاهد : التزويج أن تلد المرأة غلاما ثم جارية ، وقال محمد بن الحنفية : أن تلد غلاما وجارية من بطن واحد ، وقيل الآية فى الأنبياء ، وهب لشعيب ولوط اناثا ، ولابراهيم ذكورا ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكورا واناثا ، وجعل عيسى ويحيى عقيمين ﴿ إنه عليمٌ قديرٌ ﴾ لا يعجزه ذلك ولا غيره ، قالت قريش : يا محمد ألا تكلم الله وتنظر اليه ، كما كلمة موسى ونظر اليه ان كنت نبيا صادقا؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « لم ينظر موسى الى الله تعالى » فنزل :
﴿ وما كانَ لبشرٍ أن يكلِّمه الله إلا وحياً ﴾ الخ قالت عائشة رضى الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد كذب على الله سبحانه وتعالى ، ثم قرأت : ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾ وقرأت : ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ﴾ الخ ووحياً مفعول مطلق على حذف مضاف ، أى إلا كلام وحى ، أو مفعول مطلق لحال محذوفة أى إلا موحياً وحيا ، أى ايحاء ، ولا يجعل المصدر حالا مبالغة ، أو لتأويل الوصف ، أو تقدير مضاف مثل مصاحب ، إلا إذا لم يوجد إلا ذلك ، ولا ثقل : إن القرآن هو المقيس عليه وفيه ما ظاهره وقوع المصدر حالا ، فنقيس وقوع المصدر حالا ، لأنا نقول لم تترجح حالية المصدر فيه ، ولم تتعقين ، فكيف يقال بحالية المصدر ، وان تعين فى موضع فقيل لا يقاس عليه ، وقيل : منصوب على الاستثناء المنقطع بناء على أنه غير مفرغ ، وأن الكلام قبله تام أى ما كان لبشر أن يكلمه الله مشافهة لكن كلامه وحى ، تعالى عن الجوارح وسائر صفات الخلق .
والوحى هنا الالقاء فى القلب فى اليقظة أو المنام ، والالقاء أعم من الالهام ، فان الايحاء الى أم موسى الهام ، والى ابراهيم القاء فى المنام ، وايجاد الزبور والقاء فى اليقظة ، وشهر أن غير القرآن من كتب الله عز وجل نزل مكتوبا ، ويجوز اطلاق الالقاء على الكتب المنزلة مكتوبة ، والالهام لا يستدى صورة كلام نفسى فى قلب السامع ، بل يستدعى مطلق فهم ، والله منزه عن الكلام النفسى ، والزبور يستدعيه ، وحاء اطلاق الوحى على الإلقاء ف قول عبيد بن الأبرص :
وأوحى الى الله أن قد تأمروا … بابل أبى أوفى فقمت على رجل
﴿ أو مِن وراء حجابٍ ﴾ أى أو كلاما من وراء حجاب على المفعولية المطلقة ، أو موحيا صوتا خلقه الله حيث شاء من وراء حجاب ، أو مسمعاً من وراء حجاب على الحال يسمع صوتا خلقه الله فى الجو ، أو حيث شاء ، وذلك تمثيل بسلطان يكلم بعض خواصه محتجبا ﴿ أو يُرسلُ رسُولا ﴾ ملكا ﴿ فبوحى ﴾ الرسول ﴿ بإذْنِه ﴾ باذن الله الى النبى ﴿ ما يَشَاء ﴾ الله تعالى ، وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غالبا ، وكثير من الأنبياء ، وزعم بعض أنه من خصوصيات أولى العزم ، والعطف فى قوله : ﴿ أو يرسل ﴾ على وحيا بالمعنى كعطف التوهم على الناصب لوحيا ، أو على مسمعا ، أو موحيا العامل فى ﴿ من وراء حجاب ﴾ وان قدرنا كلام وحى فالعطف على كلام بتأويل مصدر ، وتقدير ان الناصبة حذفت ورفع الفعل ، كما يدل له قراءة النصب ، أى إلا كلام وحى ، أو أن يرسل رسول ، أى أو كلام ارسال رسول . ومن حلف لا يكلم فلانا فأرسل اليه بكلام حنث ان لم يعن فى يمينه كلام مشافهة لهذه الآية ، غير أن الاستثناء ان كان منقطعا لم تدل الآية على ذلك ، وظاهر الآية حصر الوحى فى ذلك ، لكن روى أن من الأنبياء من يكتب له فى الأرض ، وأقول : الذى عندى أن الكتب المنزلة مكتوبة داخلة فى ارسال الرسول ، لأنه يأتى بها جبريل ، فهو الرسول المرسل به ، والله الموفق .
﴿ إنه علىٌّ ﴾ شأنا ، وتنزه عن صفات الخلق ﴿ حَكيمٌ ﴾ يجرى وحيه على ما تقتضيه حكمته من أنواع الوحى .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٢٣