سورة الجاثية · الآية ١٣ من ٣٧

‹ السورة السابقة
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ١٣
الرسم الإملائيّ

وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

الجزء ٢٥الربع ٢٠٠ صفحة ٤٩٩

تفسيرها

[سورة الجاثية — آية 13]

}اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴿ بتسخيره،﴾وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴿ بأن خلقها نافعة لكم إذا أطعتموه بها وشكرتموها، وإن كفرتموها فعليكم وبالها. قال أبو العباس المرسي: » يقول: الأكون كلها عبيد مسخرة، ولنت عند الحضرة« ]كذا[ . وفي بعض الآثار المروية عن الله: » ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له« ؛ فالخلق كلهم مسخرون في حق المطيع، لأنه ينتفع بجميع ما خلق الله في السماء والأرض؛ والمؤمن لم يسخر لشيء من المخلوقات وإن صدر منه نفع لبعض المخلوقات، لأن أجره على الله؛ ومعنى التسخير: يكلف عملا بل جزاء ﴾مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13){فيما تفكروا فيه من المخلوقات، فيعلمون أنه مسخر للمتعبدين، وأنه ليس خلقا عبثاً.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٨٦

[سورة الجاثية — آية 13]

قال : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ أي : من الله ، أي : كل ذلك تفضّلاً منه ، أي : ما سخر لكم من السماوات ، أي : الشمس والقمر والنجوم والمطر ، وما في الأرض ، اي : الأنهار والبحار وما ينبت في الأرض من النبات ، وما يستخرج من الذهب والفضة والصفر والحديد والنحاس وغير ذلك مما ينتفع به مما في الأرض ، فذلك كله تسخير الله . ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وهم المؤمنون .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٨٦

[سورة الجاثية — آية 13]

﴿ الله الذى سخَّر لكُم البَحر ﴾ لا تذهب الخشب المجوفة ، ولا الخشب المتخللة الى أسفله ﴿ لتجْرى الفُلْك فِيه بأمره ﴾ بتسخيره تعالى اياه ، وتسخيره أمر من أموره ، وقيل : بتكوينه كقوله تعالى : ﴿ إنما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ وهذا على وجه أو باذنه وارادته ، ولا يخفى أن الممتن به جريان الفلك فيه ، وهم فيها ، أو هم وأموالهم بلا تجر ، أو به فهو أعم من قوله : ﴿ ولتَبتغُوا ﴾ بالسير فيه ﴿ مِن فَضله ﴾ بالتجر ، وأخص منه من حيث ان الابتغاء من فضله يشمل الصيد والغوص لنحو لؤلؤ وغير ذلك ، وذكر التسخير وما بعده تتميم للتفريع ، كما ذلك له ذكر الأغراض العاجلة المستوجبة للشكر كما قال : ﴿ ولعلَّكم تشْكُرون ﴾ كى تشكروا نعمة التسخير ، وما ذكر ، وكأنه قيل : تلك الآيات أولى بالشكر ، ولذا عقب بما يعم العاجلة والآجلة وهو قوله :

﴿ وسخَّر لَكم ما فى السَّموات وما فى الأرض ﴾ من المنافع الظاهرة والخفية ، إذ ذكر التفكر بعد ، وهو ملاك الأمر ﴿ جميعاً ﴾ حال من ما فى الموضعين ، أو توكيد أى جميعها ﴿ منْه ﴾ حال من ما فى الموضعين ، أو متعلق بسخر فيكون فيه عمل عامل واحد فى ضميرين لشىء واحد ، وأنت خبير بجواز ذلك ، اذا كان ذلك بحرف جر ، روى الطبرانى : أن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى تفسير ذلك : كل شىء من الله تعالى ، فمعنى قول عكرمة : ان ابن عباس لم يفسرها أنه لم يبسط الكلام فيها ، ويحتمل أن عكرمة لم يبلغه هذا التفسير ، وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص : مم خلق الله الخلق؟ قال : من الماء والظلمة ، والنور والريح والتراب ، قال : فمم خلق هؤلاء؟ قال لا أدرى ، وسأل الرجل عبد الله بن الزبير فقال كذلك ، فسأل ابن عباس فقال : من الماء والنور الخ قال : فمم خلق هؤلاء؟ فقل : ﴿ وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه ﴾ .

وظهر لى فى قول ابن عباس أنه أراد منعه من التسلسل ، وأنه ان خلق هؤلاء من شىء ، أو تتابعت أشياء فانها تنتهى الى شىء لم يخلقه الله تعالى من شىء ، أو أراد أن كل شىء مستأنف من الله سبحانه ولو ذرك له الخلق من تلك الأشياء مؤانسة له ، ومجاراة ، وعاد الى التحقيق بأن الله لا يحتاج الى شىء يخلق منه شيئا ، ولكن اقتضت حكمته التولد ، والأسباب ، وهو خالق لهما ، ولا جزاءهما ، وهما مستقلين ، فكأنهما لم يكونا ، وعن ابن عباس : كل ذلك رحمة منه وقيل كل ذلك تفضل منه واحسان ، وعليهما فمنه خبر لمحذوف والمشهور أنه متعلق بسخر أو بمحذوف حال من ما فى الموضعين قيل : أو نعت لمصدر أى تسخيرا منه ، وهذا يغنى عنه تعليقه بسخر ﴿ إنَّ فى ذلك ﴾ المذكور من التسخير وما بعد ﴿ آياتٍ ﴾ كثيرة عظيمة ﴿ لقومٍ يتفكَّرون ﴾ فى خلقه ، فيهتدون الى الايمان والايقان والشكر ، ومن تفكر فى الله سبحانه أداه فكره الى تشبيهه بخلقه فيشرك .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٨٦