سورة الجاثية · الآية ١٧ من ٣٧

‹ السورة السابقة
وَءَاتَیۡنَٰهُم بَیِّنَٰتࣲ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوۤا۟ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ یَقۡضِی بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ فِیمَا كَانُوا۟ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ١٧
الرسم الإملائيّ

وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

الجزء ٢٥الربع ٢٠٠ صفحة ٥٠٠

تفسيرها

[سورة الجاثية — آية 17]

}وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴿ العمل بمقتضاه، ﴾وَالنُّبُوَّةَ﴿ إذ كثر فيهم الأنبياء يعلمونهم أمر دينهم،﴾وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16)﴿وذلك بسبب اجتهادهم. ﴾وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴿ أدلة في أمر الدين والدنيا، وذلك بسبب تلخيصهم للأمور الحقية من الأمور الوهمية. ﴾فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴿ بحقيقة الحال ﴾بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴿ حسدا، وطلبا للتريس ﴾إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17){ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٠

[سورة الجاثية — آية 17]

قال : ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ أي : إنهم أرادوا الدنيا ورخاءها ، فغيروا كتابهم ، فأحلوا فيه ما شاءوا ، وحرموا فيه ما شاءوا ، فترأسوا على الناس ليستأكلوهم ، واتبعوهم على ذلك . كقوله : ﴿ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله ﴾ [ التوبة : 31 ] أي : يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه ، ويحرمون عليهم ما أحلّ الله لهم فيحرمونه .

قال : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فيكون قضاؤه فيهم أن يدخل المؤمنين منهم الذين يتمسكون بدينهم الجنة ، ويدخل الكافرين منهم النار .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٠

[سورة الجاثية — آية 17]

﴿ ولقَد آتيْنا بنى إسرائيل الكتاب ﴾ المعهود لهم وهو التوراة المشتملة على الأحكام الكثيرة ، ويقال : لم يتسع لنبى فقه الأحكام ما اتسع لموسى عليه السلام ، وقلت الأحكام فى الانجيل ، وأكثر أحكام عيسى من التوراة ، وأما الزبور فأدعيه ومناجاة ، والصحف مواعظ ، ولا مانع من أن ياراد بالكتاب الجنس الشامل لذلك كله لأنها كلها لأنبياء بنى اسرائيل بمتن الله تعالى بها عليهم ، وأحكام القرآن كثير ، وباعتبار ما يستخرج منه العلماء تكون أكثر مما فى التوراة ﴿ والحُكْمٍ ﴾ القضاء بين الناس ، وكان المُلْك فيهم أو الفقه فى الدين ، أو الحكم النظرية الأصلية والعملية الفرعية ﴿ والنبوة ﴾ ما كثرت النبوة والرسالة الا فيهم ﴿ ورزقناهُم مِن الطيِّبات ﴾ أعطيناهم الرزق الطيب وأنزلنا عليهم المن والسَّلوى ﴿ وفضلناهم على العالمين ﴾ كلهم من حيث كثرة النبيين والكتب والمعجزات ، لا من كل وجه ، فان هذه الأمة أفض من حيث إن نبيها أفضل الأنبياء ، وكتابها أفضل الكتب ، تشهد بذلك أنبياء اسرائيل وكتبهم ، ومر كلام فى مثل هذه الآية ، وذلك كما قال الله عز وجل :

﴿ وآتيناهم بينات من الأمْر ﴾ قال ابن عباس : من أمر النبى صلى الله عليه وسلم ، وعلامات مبينة لصدقه عليه الصلاة والسلام ، ككونه يهاجر من مكة الى يثرب ، ويكون أنصاره أهلها ، والآيات الدلائل الظاهرة فى أم رالدين ، ومن بمعنى فى ، وشملت معجزات موسى عليه السلام ، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعض شأنه ، وفسرها بعض بمعجزات سيدنا موسى عليه السلام ﴿ فَما اخْتَلفوا إلاَّ مِن بعْد ما جائهم العِلم ﴾ فى كتابهم بحقيقة الحال ، فجعلوا ما هو موجب لعدم الخلاف موجبا لرسوخ الخلاف ، ومن ذلك الباب أنهم كانوا مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث وأنزل عليه الكتاب أنكروه ، وقل من آمن منهم ، فذلك اختلافهم ، أو المراد أنهم خالفوا على أنه لم يعتد بمن آمن لقتله ، ووجه الرسوخ قوة دلائل التوراة ، وما كفروا معها إلا رسوخ كفرهم ، فيجوز أن يكون العلم القرآن وهو أولى فى تسبب كفرهم ، أو المراد كتبهم والقرآن .

﴿ بغْياً ﴾ عدواة وحسدا لا شكا فى التوراة أو فى القرآن ، وما زالوا فى ذلك حتى رسخ الانكار فيمن بعدهم ، ولم يذعنوا فى قلوبهم وألسنتهم ، حتى كانوا مثل مشركى العرب ، ومن لا كتاب له ، والآن قل من يقول : محمد رسول العرب ، أو رسول الله من لا كتاب له وكذبوا ، بل رسول الى الناس كلهم ، قال صلى الله عليه وسلم : « لو كان أخى موسى حيا لم يسعه إلا اتباعى » ﴿ إنَّ ربَّك يقْضى بيْنَهم ﴾ بالجزاء ﴿ يَوم القيامة فيما كانُوا فيه يَخْتلفون ﴾ من أمر الدين فيثيب المحق ، ويعاقب لامبطل كالمجسمة منهم ، ومُحرفى التوراة ، ومنكرى عيسى والانجيل ، وسيدنا محمد صلى الله عليهما وسلم ، والقرآن .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٠