[سورة الجاثية — آية 32]
﴿ وأمّا الذين كفروا أفلم ﴾ أى فيقال لهم توبخا ألم نكن رسُلى تأتيكم فلم ﴿ تكن آياتى تتْلى عَليْكم ﴾ فحذف الجواب وفاؤه ، وأما الفاء الداخلة على لم فعاطفة على محذوف بينها وبين الهمزة ، وقيل : هى فاء الجواب ، والهمزة مما يعدها ، قدمت لكمال صدارتها يقدر الجواب ، فقط ، والأصل فيقال ألم تكن آياتى تتلى عليكم ﴿ فاسْتَكبرتُم ﴾ عن الايمان بها ﴿ وكُنتُم قوما مُجرمين ﴾ راسخين فى الجنايات على أنفسهم وقوله :
﴿ وإذا قيلَ إنَّ وعْد الله حقٌّ والسَّاعة لا ريب فيها قُلتُم ما نَدرى ما السَّاعة إن نظنُّ إلاَّ ظنا ومانَحن بمُسْتيْقِنينَ ﴾ معطوف على خبر كان ، كأنه قيل : وكنتم قوما مجرمين ، وقائلين ما ندرى ما الساعة الخ ، اذا قيل ان وعد الله حق الخ ، ووعد بمعنى موعود وهو الجزاء ، والبعث أو باق على المعنى المصدرى ، أى وعده بالجزاء واقع ، فلا بد من انجازه ، وقوله : ﴿ والساعة لا ريب فيها ﴾ معناهخ لا يسوغ الشك فيها ، والجملة معطوفة على أن وما بعدها لا على ما بعدها ، فلم ينسحب عليها حكم التوكيد بأن ولا نصب ، وقولهم : ﴿ ما ندرى ما الساعة ﴾ انكار لها مع استغراب لها لعتوهم ، وقوله : ﴿ إن نظن إلا ظنا ﴾ بصورة استثناء الشىء من نفسه الجواب إن نظن ، معناه نفعل على التجوز الارسالى ، باستعمال المقيد فى المطلق ، فهو مفعول به ، أو يقدر ان نظن إلا ظنا ضعيفا ، فهو مفعول مطلق .
أو المراد ما تعتقد إلا ظنّاً ، وهو كذلك استعمال المقيد فى المطلق ، بأن الاعتقاد أعم من الظن ، فهو مفعول به ، أو نظن عام ، وظنا هو فى أمر الساعة فكأنه قيل ما نظن إلا ظنا فى أمرها ، وهو مفعول مطلق كأنه قيل لا ظن لنا ، ولا تردد إلا ظن أمر الساعة واعترض التأويل بقولنا : إن نظن إلا ظنا ضعيفا بأنه ينافيه قوله : « وما نحن بمستيقنين » لأن نفى الاستيقان يقتضى وجود حال فوق الظن قريبة من العلم ، وأجيب بأن نفى الاستيقان صالح لبقاء حالة تقرب من العلم ، ولحالة شك .
وإذا قلت لم يحزم زيد بالأمر صح أن يكون شك ، وأن يكون رجح ، ولعل القائلين إن هى إلا حياتنا الدنيا جازمون بانكار البعث ، وهم غير المثبتين لأنفسهم ، إذ قالوا إن نظن إلا ظنا ، فالكفرة قسمان : جازم بالنفى ، وظان إذا سمع ما يتلى ظن ، واذا وسوس اليه نفى ، أو قسم واحد تارة يجزم بالنفى يظن .