سورة الأحقاف · الآية ١٣ من ٣٥

‹ السورة السابقة
إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُوا۟ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ١٣
الرسم الإملائيّ

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

الجزء ٢٦الربع ٢٠١ صفحة ٥٠٣

تفسيرها

[سورة الأحقاف — آية 13]

}إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴿ جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الامور التي هي منتهى العمل، و»ثم ‍‌‌‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍« للدلالة على تأخر رتبة العمل، وتوقف اعتباره على التوحيد، ﴾فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴿عن لحوق مكروه، ﴾وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)﴿ عن فوات محبوب. ﴾أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14){ من اكتساب الفضائل العلمية والعملية.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٢٣

[سورة الأحقاف — آية 13]

قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ أي : على ذلك وعلى الفرائض التي فرضها عليهم ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

ذكروا أن أبا بكر قرأ هذه الآية فقالوا له : وما الاستقامة يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لم يشركوا . وذكروا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ثم استقاموا على الفرائض لم يروغوا روغان الثعلب .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٢٣

[سورة الأحقاف — آية 13]

﴿ ومِنْ قَبْله ﴾ أى قبل القرآ ، وهذا مما يرجح أن الضمئر للقرآن ، لأن الاخبار بأن قبل اكتاب كتابا أولى من الاخبار بأن قبل الرسول كتابا ، ولو كان جائزا ﴿ كتابُ مُوسَى ﴾ مبتدأ أخر عن الخبر للحصر ، أو كتاب موسى معطوف على شاهد ، فهو شاهد آخر ، وعليه فمن قبله حال من كتاب ، وفيه فصل كثير ﴿ إماماً ﴾ يقتدى به ﴿ ورحْمةً ﴾ حالان من الضمير فى الخبر ﴿ وهَذا ﴾ أى القرآن الذى يقولون انه إفك قديم ، وغير ذلك من الباطل ﴿ كتابٌ مُصدِّق ﴾ لكتاب موسى الذى هو امم ورحمة ، ولجميع الكتب الالهية بموافقته لها فى التوحيد وتوابعه فكأنه هو كاتب موسى وسائر كتب اله سبحانه وتعالى ، فتكذيبه تكذيب لكتب الله تعالى كلها ، وكأنهم قالوا : هى كلها انك قديم ﴿ لسانا ﴾ حال من المستتر فى مصدقا ، أو من كتاب ، لأنه خبر عن اسم الاشارة المتضمن للحدث ، كأنه قيل أشير اليه حال كونه لسانا ، وصحت حاليته مع جموده لنعته بما هو كالمشتق وهو قوله : ﴿ عربيا ﴾ أى منتسباً أو أو منسوبا للعربية .

وفائدة هذه الحل على أن الكلام مع اليهود أن كونه مصدقا ، كما دل على أنه حق دل على أنه وحى من الله عز وجل ، وعلى أن الكلام مع كفار مكة أنهم قد يسلمون التوراة والانجيل ونحوهما من كتب الله ، ولو كانوا ينكرون أحيانا الرسل والكتب كلها ، ولا يتبادر أن لسانا مفعول لمصدق ، على حذف مضاف أى مصدق ذا لسان عربى ، وذو اللسان العربى هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، يصدقه هذا الكتاب بموافقة كتاب موسى وسائر كتب الله عز وجل ، ويجوز على هذا أن تكون الاشارة الى كتاب موسى عليه السلام ، أنه مصدق للسان العربى ، وهو القرآن أو لذى اللسان العربى ﴿ ليُنْذر الذين ظلموا ﴾ هم الكفرة متعلق بمصدق ، أو بمحذوف أى أنزلنا لتنذر الخ ، وهو أولى لظهروه من تعليقه بمصدق لاحتياجه الى تأويل مصدقا بمؤثر التصديق فى الجملة ﴿ وبُشْرى ﴾ اسم مصدر ، ومعناه التبشير مجرور بفتحة مقدرة على الألف نائبة عن الكسرة ، لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث معطوف على المصدر المجرور باللام ، أى لانذارك الذين ظلموا ، وللتبشير .

ومن العجيب دعوى نصبه على التعليل عطفا على محل المصدر المذكور معتبرا باسقاط اللام وبالنصب ، أى انذارا ، وأعجب من هذا تخطئة من قال : ما ذكرته وتصويب تلك الدعوى العجيبة ، ومن التخليط تقدير هو بشرى ، ومنه عطفه على مصدق ، ومنه تقدير ويبشر بشرى ، ومنه دعوى أنه منصوب على نزع اللام ، ولو أمكن ذلك كله ﴿ للمُحْسنينَ ﴾ مقابل للذين ظلموا ، ولم يقل للعادلين ، مع أنه أشد مبالغة ليكون ذريعة الى البشارة بنفى الخوف والحزن إن : « قالوا ربنا الله ثم استقاموا » ولم يقال :

﴿ للذين أحسنوا ﴾ مع أنه أنسب بظلموا للفاصلة ، وليكون المعنى لينذر الذين وجد منهم الظلم ، ويبشر الذين ثبتوا واستقاموا ، والوصف للثبات بخلاف الفعل ، فيناسب تعليل البشارة بقوله تعالى :

﴿ إن الَّذين قالُوا ربنا الله ثمَّ استقاموا ﴾ الخ أى ان الذين نجمعوا بين التوحيد الذى هو خلاصة العلم بكتب الله ، والاستقامة فى الدين التى هى منهى العمل ، وثم للترتيب الزمانى ، لأن وقت الاستقامة بالعمل متأخر عن وقت الاقرار بالتوحيد ، أو للتراخى الرتبى ، فان العمل متراخى الرتبة عن التوحيد ، فان التوحيد ، أفض ولا يعتد بشىء قبله ، أو للتراخى الرتبى من وجه آخر هو علو التوحيد المقرون بالعمل عن التوحيد المجرد السابق ، أولا قبل العمل ، على فرض أن الاستقامة مستحضرة للتوحيد ﴿ فَلا خَوفٌ عليْهم ﴾ مما يلحق المشرك فى الدنيا لشركه ، وما يلحقه فى الآخرة ﴿ ولا هم يَحْزنُون ﴾ من فوت محبوب مما يحبونه ، ولا من لحوق مكروه ، والفاء فى خبر الموصول ، لأن المقصود به العموم ، لا مخصوصون فهو كاسم الشرط .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٢٣