سورة محمد · الآية ٣٨ من ٣٨

‹ السورة السابقة
هَٰۤأَنتُمۡ هَٰۤؤُلَاۤءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن یَبۡخَلُۖ وَمَن یَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا یَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِیُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَاۤءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡا۟ یَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَیۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا یَكُونُوۤا۟ أَمۡثَٰلَكُم٣٨
الرسم الإملائيّ

هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ

الجزء ٢٦الربع ٢٠٤ صفحة ٥١٠

تفسيرها

[سورة محمد — آية 38]

}هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴿ أي: أنتم يا مخاطبون، ﴾تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴿ وهو يعم بذل المال والمهج في سبيل الله، ﴾فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴿ ناس يبخلون، ﴾وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴿ فإن ضر الإنفاق وضر البخل عائدان إليه، ﴾وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴿ فيما يأمركم به هو لافتقاركم، فان امتثلتم فلكم، وإن امتنعتم فعليكم، ﴾وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38){ في الصفة، فإنهم إذا كانوا أمثالكم (لعله) لكان ذلك منافيا للحكمة.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٨٣

[سورة محمد — آية 38]

قوله عز وجل : ﴿ هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ﴾ أي : بالنفقة في سبيل الله ، يعني المنافق . قال الله تعالى : ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَالله الْغَنِيُّ ﴾ أي : عنكم ﴿ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء ﴾ إلى الله ، يعني جماعة الناس .

﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا ﴾ عن الإيمان ، يعني جماعة الناس في تفسير الحسن ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ أي : خيراً منكم ، أي : أطوع منكم ، ويهلككم بالاستئصال . كقوله : ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ﴾ [ الواقعة : 60-61 ] أي : خيراً منكم ويهلككم بالعذاب . قال الله تعالى : ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ يقوله للمشركين ، أي : يكونوا خيراً منكم وأطوع له منكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٨٣

[سورة محمد — آية 38]

﴿ ها أنتم ﴾ ها حرف تنبيه دخلت على غير الاشارة لوقوع الاشارة بعده ، وهى للتأكيد ﴿ هؤلاء ﴾ خبر انتم أو الخبر قوله تعالى : ﴿ تُدعَون ﴾ يدعوكم الله او رسوله ﴿ لتنفقوا فى سَبيل الله ﴾ فينصب هؤلاء على التحضيض ، أو هو منادى لمحذوف ، والانفاق فى سبيل الله تعالى نفقة العيال والأقارب ، والغزو والضيف ، واليتيم ، وليس المراد خصوص الغزو كما قيل ، او الزكاة كما قيل ، والجملة مستأنفة لتأكيد أن السؤال ليس لاحتياج الله حاشاه ، أو ليتملك المال صلى الله عليه وسلم لنفسه ، وتأكيد لقبح البخل ، وعلى مذهب الكوفيين يجوز جعل الاشارة موصولا ، فالجملة صلة ، أى ها أنتم الذين تدعون لتنفقوا فى سبيل الله .

﴿ فَمنْكم مَن يَبْخل ﴾ عن الانفاق المأمور به ﴿ ومَن يَبْخل ﴾ عنه ﴿ فإنما يبخل عن نفسِه ﴾ يتجاوز عن خير نفسه ، ويعرض عنه ، ولا يخفى أن البخل صرف للخير عن نفسه ، ويجوز أن يكون المعنى : البخل صادر عن نفسه الأمارة بالسوء ، والتى هى منبع البخل ، فلا ينبغى اتباعها ﴿ والله الغنىُّ ﴾ حصر للغنى فى حق الله عز وجل ، واو ملك مخلوق الدنيا كلها والسموات ، لكان اشد احياجا لكثرة ما يحتاج الى ابقائه ، والى مزيد الشكر ، وانما كان له ذلك من الله ، وهو محتاج الى ابقاء ذاته ومنافعها كالابصار والسمع ﴿ وأنْتُم الفُقراء ﴾ حصر للفقر فيهم اضافى بالنسبة الى الله تعالى لأن غيرهم من سائر الناس والمخلوقات كلها فقيرة الى الله تعالى فى ايجادها وابقائها ، ومصالحها ، ومنها منافع الانفاقفانه يحصل به ثواب لا يحصل بغيره لحكمة الله تعالى ، فان امتثلتم نلتم ذلك .

﴿ وإن تَتولَّوا ﴾ عن الامتثال والعطف على أن تؤمنوا ﴿ يسْتَبدل قوماً غيركُم ﴾ كقوله تعالى : ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ أى قوما يمتثلون كما قال الله تعالى : ﴿ ثم لا يكُونُوا ﴾ أى هذا القوم المستبدل منكم ﴿ أمثالكم ﴾ فى التولى عن الامتثال ، بل يرغبون فيه بالايمان والتقوى ، وثم للتراخى فى الزمان او الرتبة أو فيهما ، على جواز استعمال اللفظ فى معنيين ، ووجه تراخى الزما أنه روى عبد الرزاق والطبرى ، والطبرانى والبيهقى ، والترمذى ، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا : ﴿ وإن تتولوا ﴾ الخ فقالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ، ثم لا يكونوا أمثالنا ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال : « هذا وقومه والذى نفسى بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لناوله رجال من فارس » ويروى من ابناء فارس ، ويروى هذا وذووه .

وروى ابن مردويه ، عن جابر : لو كان الدين بدل لو كان الايمان فان القوم هم : عبد الرحمن بن رستم الفارسى الم الذى ملك من الاسكندرية الى طنجة ، وأجراهم على كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وبينه وبين الآية زمان مديد ، كثرت الفرق والاختلاط فى الدين ، وذلك تول ، فجاء الله الرحمن الرحيم به ، ولم تعرف طائفة من فارس قامت بذلك ، وان كان فأفراد فيه علمنا أن الشرط واقع ، وهب أنه غير واقع ، ولم يكن استبدال كما قال الكلبى ، لم يتولوا فلمن يستبدل تعالى قوما غيرهم ، لكن لنا ذلك الامام الصادق ، مع أن من عرف اختلاف الأمة اختلافا باطلا الا من عصمه الله تعالى ، جزم بأنها استبدلت ، لكن لا بالارتداد ، بل باعتقاد الباطل كالرؤية ، وكون صفاته تعالى غيره ، وخلق الفاعل فعله ونحو ذلك من الأباطيل الاعتقادية وبالحكم بالجور وسائر البدع .

وقيل : القوم الأنصار ، وقيل : أهل اليمن ، وقيل كندة والنخع ، وقيل : مسلمون من العجم ، وقيل : مسلمون من الروم ، ويبعد ما قيل : انهم الملائكة ، فانه لم يشهر اطلاق القوم عليهم ، وأن المتبادر الاستخلاف من جنس المخاطبين ، وأنه ظهور فىلأرض ، والخطاب لقريش أو لأهل المدنية أو للمخاطبين قبل ، والله أعلم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٨٣