سورة الفتح · الآية ٢٠ من ٢٩

‹ السورة السابقة
وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِیرَةࣰ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَیۡدِیَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَایَةࣰ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ وَیَهۡدِیَكُمۡ صِرَٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا٢٠
الرسم الإملائيّ

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا

الجزء ٢٦الربع ٢٠٥ صفحة ٥١٣

تفسيرها

[سورة الفتح — آية 20]

}لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴿ (لعله) من الصدق والوفاء ﴾فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴿ الاطمئنانية وسكون النفس، ﴾وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴿ (لعله) أي: النصرة في هذه الوقعة، لقوله: ﴾وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴿ أمارة يعرفون بها أنها من الله بمكان، ﴾وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى﴿ أي: وقعـة ﴾أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21)﴿ لأن قدرته ذاتية، لا تختص بشئ دون شئ،﴾وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23){ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٠٣

[سورة الفتح — آية 20]

قوله عزّ وجل : ﴿ وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ﴾ أيها المؤمنون ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ﴾ أي : خيبر ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ ﴾ وهم أسد وغطفان إذ كانوا حِلْفاً وأهلَ خيبر . وكان الله وعد نبيّه خيبر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجّهوا راياتهم إذا أصبحوا إلى غطفان وأسد . فبلغهم ذلك . وألقى الله في قلوبهم الرعب فهربوا من تحت ليلتهم ، وهو قوله عزّ وجل : ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ . . . ﴾ إلى آخر الآية . وهذا تفسير الكلبي .

وقال الحسن : ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ : غنيمة خيبر ، ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ . أي : يأخذها المؤمنون إلى يوم القيامة في تفسير الحسن ومجاهد قال : ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ﴾ أي : غنيمة خيبر ، ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ ﴾ . قال : ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا قافلة من المشركين من أهل مكة ، فأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألكم علينا عهد؟ قالوا : لا . قال : أليس دماؤكم حلالاً؟ قالوا : بلى ، فتركهم . وقال الحسن : ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ ﴾ يعني مشركي أهل مكة .

قال تعالى : ﴿ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي : ما صنع النبي عليه السلام من تركه القوم الذين ترك . ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾ أي : الإسلام ، وهو الطريق المستقيم إلى الجنة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٠٣

[سورة الفتح — آية 20]

﴿ وعَدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ﴾ فى أوقاتها المقدرة لها ، وهى ما يكون من المغانم الى يوم القيامة ، فالخطاب للأمة المؤمنين الحاضرين والغائبين ، وغلب الحاضر بالخطاب أو الخطاب للحاضرين ، لأنهم ومن بعدهم من المؤمنين كجماعة واحدة ، وقال زيد بن أسلم : المغانم الكثير الموعودة مغانم خيبر ، وهو رواية عن ابن عباس ، والجمهور على ما مرّ أولا من أنها المغانم الى يوم القيامة ، ولما خرجوا غنائم خيبر عند فتحها تبايع الناس فيها ، وكانت كثيرة . وجاء رجل فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ربحت اليوم ما لم يربحه أحد من أهل هذا الوادى ، فقال : « ويحك ما هو؟ » قال : ثلاثمائة أوقية فقال صلى الله عليه وسلم : « ألا أثبتك بأفضل منها؟ » قال : وما هو يا رسول؟ قال : « ركعتان بعد الصلاة » ﴿ فعجَّل لكُم هَذه ﴾ غنائم خيبر ، وقيل : غنائم هجر ، وقيل : هذه هى البيعة ، والتخلص من قريش والأحابيش بالصلح ، ذكر بعض أن قوله تعالى : ﴿ فعجَّل لكم هذه ﴾ أن نزل بعد فتح خيبر كما هو لظاهر ، فبعض السورة فى الطريق من الحديبية الى المدينة ، وبعضها بعد وصول المدينة ، وان كان قبل فتح خيبر فذلك اخبار بالغيب بأن نزل الغائب منزلة الحاضر المشاهد ، فقال : « هذه » والمضى لتحقق الوقوع ، واختير أنه نزل قبل فتح خيبر أكثر السورة فى الطريق ، وظاهر الأخبار أن السورة كلها بين الحديبية والمدينة ، فالمعجَّلة البيعة والتخلص من قريش ومن معهم .

﴿ وكفَّ أيْدى النَّاس عَنْكم ﴾ أيدى أهل خيبرة وخلفائهم من أسد وغطفان ، إذ جاءوا لنصرة أهل خيبر ، فقذف فى قلوبهم الرعب ، ورجعوا ، وذلك قبل سفر الحديبية ، وقال مجاهد : أيدى أهل مكة كفها بالصلح وهم أقوى منكم ، وأكثر عددا ، وفى بلدهم ، مع أنكم ما جئتموهم بأهبة القتال ، بل للعمرة ، وقال ابن جرير : كف أيدى أهل خيبر وسائر اليهود عن المدينة بعد سفر الحديبية ، وأيدى سائر اليهود عن المدينة ، بعد الذهاب الى غزو خيبر ، كما قيل : ان قبائل من أسد وغطفان همت أن تغير على العيال بالمدنية ، اذ اشتغل صلىلله عليه وسلم بحصار خيبر .

﴿ ولتَكُون ﴾ أى الكف المعلوم من قوله تعالى : « كف أيدى الناس عنكم » وأنثه لتأنيث الخبر ، أو لتكو الكفة وهى مرة من الكف ، أو لتكون مغانم خيبر ، واللام متعلق بمحذوف تقديره فعل ذلك لتكون ، أو يقدر مؤخرا ، أى ولتكون آية فعل ذلك ، أو متعلق بمحذوف مع علة اخرى ، أى فعل ذلك لتنفعوا ، ولتكون ، أو كف أيديهم لتنتفعوا ، ولتكون ، وزعم الكوفيون فى هذه ومثلها أن الواو زائدة ، واللام متعلق بما قبله وهو هنا كف ، أو عجل وهو مردود ، والأصل عدم الزيادة ، ولا سيما زيادة حرف غير معتاد فى التأكيد .

﴿ آيةً ﴾ أمارة ﴿ للمُؤمنين ﴾ على أنَّهم عند الله الرحمن الرحيم مرضيون ، أو على أن ما وعدهم صلى الله عليه وسلم به من فتح خيبر ومكة والغنائم ، ودخول المسجد الحرام حق يقع ، واخبار بالغيب ، وان ذلك بالوحى من الله عز وجل ، ولا بد ﴿ ويُهْديكم صِراطاً مُستقيما ﴾ هو تقوية الثقة بفضل الله تعالى والتوكل عليه وإدمتها ، رجع صلى الله عليه وسلم من الديبية بقية ذى الحجة ، وخرج الى خيبر بقية المحرم سنة سبع ، وقاتل عامر مرحبا اليهودى وهو ملكهم ، فانقلب عامر على سيف نفسه فمات ، وقالوا : قتل نفسه وبطل عمله ، فقال صلى الله عليه وسلم : « كذب من قال ذلك بل له أجران » وأرسل الىعلى وهو أرمد فتفل فى عينيه فشفى ، وحمل اراية وقتل مرحبا ، فكان الفتح .

وقيل : أخذ الراية الصديق ولم يفتح له ، ثم عمر كذلك ، وكان الفتح على يد على ، ضرب مرحبا على مقفر من حجر فشقه بالسيف الى أضراسه ، وخرج أخوه ياسر وقتله الزبير ، فكان الفتح ، ثم فتح حصن ناعم ، وفيه قتل محمود بن مسلمة بحجر ألقته اليهود عليه ، ثم حصن القصوص ، حصن ابن أبى الحقيق ، ومنها صفية بنت حيى بن أخطب جاء بها بلال ، واصطفاها صلى الله عليه وسلم وقد رأت قمرا فى حجرها فعبرها زوجها بأنها تتمنى ملك الحجاز ، فلطمها لطمة بقى أثرها فى وجهها فأخبرته صلى الله عليه وسلم به بعد ما سألها عن سببه وأتى بزوجها كنانة بن الربيع لكنز بنى النظير عنده ، وأنكر ووجد بعضه عنده ، وعذب ليخبر بالباقى ، وأبى فقتله محمد بن مسلمة بأخيه محمود .

وروى أن دحية سأل جارية فقال : خذ ما شئت فشاء صفية فأعطاها قبل أن يأخذها صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : انت أحق بها ، هى بنت سيد قريظة والنضير ، فقال له : دعها وخذ غيرها ، فجاءته يهودية بشاة مصلية مسمومة ، وهى زينت بنت الحرث فأخذ منها لقمة ولم يبلعها ، وأخبره اللحم الذى قطع منها أنه مسموم ، وقد بلعها ، وقيل قد بلعها فقال لها : « ما حملك على ذلك؟ » قالت : ما فعلت برجالنا وأنك ان كنت نبيا لم يضرك أو خبرك ، وأكل منها بشر بن البراء بن معرور ومات بها ، وأخبر صلى الله عليه وسلم عند موته أنه ما زالت تلك الأكلة تثور عليه ، وأنه يموت بها .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٠٣