سورة المائدة · الآية ٤٥ من ١٢٠

‹ السورة السابقة
وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَیۡنَ بِٱلۡعَیۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصࣱۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةࣱ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ٤٥
الرسم الإملائيّ

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

الجزء ٦الربع ٤٦ صفحة ١١٥

تفسيرها

[سورة المائدة — آية 45]

﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ﴾ وفرضنا عليهم في التوراة ، ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ﴾ وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص ، [ بدليل ] قوله تعالى : ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ فهذا تعميم بعد تخصص فيما يمكن الاقتصاص منه ، ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ ﴾ من أصحاب الحق بالقصاص وعُفي عنه ، ﴿ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه إذا كان مؤمنا . ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٧١٤

[سورة المائدة — آية 45]

قوله : ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ﴾ أي في التوراة ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ . وهذه الآية مفروضةِ على هذه الأمة . وكل ما ذكر الله في القرآن أنه أنزله في الكتب الأولى ثم لم ينسخه في القرآن فهو ثابت يعمل به ، لأنه في كتاب الله ولم ينسخه . وفي ذلك دليل على أن من لم يحكم من أهل القرآن بما أنزل الله فيه فهو كافر ظالم فاسق كما كان يكفر به من حكم من أهل الكتاب بغير ما أنزل الله في التوراة والإِنجيل . ألا ترى أن علينا في كتابنا مثل ما عليهم في كتبهم من أن النفس بالنفس والعين بالعين .

. . إلى آخر الآية . كذلك من لم يحكم منا ومنهم بما أنزل الله في كتابه وعلى ألسنة رسله فهو كافر ظالم فاسق .

قوله : والجروج قصاص . ذكروا أن أبا بكر وعمر قالا : ليس فيما لا يستطاع منه قصاص قصاص .

ذكروا عن الحسن أنه قال : أربع ليس فيهن قصاص : الآمة والجائفة والمنقلة والهاشمة .

وذكر بعضهم قال : كان يقال : لا قصاص في الكسر؛ يقال فيما لا يستطاع منه القصاص : إن فيه الأرش .

ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال في جراحات الرجال والنساء : يستويان في السن والموضحة ويختلفان فيما فوق ذلك ، يقول : تصير المرأة على النصف ، ذكروا أن علياً قال : لها النصف من كل شيء . ذكروا عن الحسن قال : يستويان في الثلث ويختلفان فيما فوق ذلك .

قوله : ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ . يعني كفارة لذنبه .

ذكروا عن رجل من الأنصار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فمن تصدّق به فهو كفارة له قال : هو الرجل تكسر سنه أو يجرح في جسده فيعفو ، فيحط عنه بقدر ما عفا من خطاياه؛ فإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه ، وإن كان نصف الدية فنصف خطاياه وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها » وهو تفسير الحسن؛ غير أنه قال : كفّارة له إن أراد بذلك وجه الله . وكان الحسن يشترط في هذا ونحوه الصدقَ . صدق والله الحسن؛ إنه كفّارة له إذا أراد به وجه الله؛ ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ [ المائدة : 27 ] .

ذكروا أن مجاهداً قال : هو كفارة للجارح .

قوله : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ قد فسّرناه في الآية الأولى .

افتحه في القارئ · صفحة ٧١٤

[سورة المائدة — آية 45]

﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ على الذين هادوا ﴿ فِيهَا ﴾ في التوراة ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ النفس الجانية تقتل بالنفس المجتى عليها ، الأُولى القاتلة والثانية المقتولة والباء للعوض . ﴿ والعَيْنَ بِالعَيْنِ ﴾ تفقاً بالعين ﴿ والأَنْفِ بِالأَنْفِ ﴾ تجدع بالأَنف ﴿ والأُذْنَ بِالأُذْنِ ﴾ تصلم بالأُذن ﴿ والسِّنَّ بالسِّنِّ ﴾ تقلع بالسن والمحذوفات غير واجبات الحذف لأنها أَكون خاصة ، ولم يجز حذفها إِلا لدليل هو هنا المقام ، ويجوز أَن يقدر تؤخذ بالنفس وينسحب على ما بعد ذلك وذلك عطف على معمولى عامل واحد وهو إِن ، وإِنما قدرت المضارع لا اسم مفعول لأَن المقام للتجدد ويضعف هنا تقدير الكون العام املحذوف وجوباً هكذا : النفس ثابتة أَو تثبت بالنفس ، وكذا ينسحب لأَن الكون الخاص أَفيد والنفس بمعنى الإِنسان يذكر أَو بمعنى الروح يؤنث فتصغيره نفيسة بالتاء والعين في الوجه يؤنث وكذا الأذن والأَنف يذكر والسن يؤنث ولو كان بمعنى الكبر في العمر ويذكر الناب والضرس والناجذ والضاحك والعارض مع أَنهن أسنان ، ويؤنث اليد والضلع والرجل والكبد والكرش ويذكر الحاجب والصدغ والخد والمرفق واللسان ﴿ والجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ ذات قصاص أَو مقتص بها إِذا أَمكنت فيها المماثلة كاليد والرجل والإِصبع والمفصل والذكر والأَنثيين والشفتين واللسان لا فيما يصعب فيه إِدراك المماثلة كرض اللحم وكسر العظم ففيه ديته ، ويقال الحكومة ، وبسطت ذلك في الفروع ، ويقتل الرجل بالمرأَة ويرد لورثته نصف الدية ولا يقتل حر بعبد ولو مكاتباً ولا مسلم بمشرك ولو كتابيا في ذمة أَو معاهد أَو مستأمنا أَو جاراً لسمع كلام الله عز وجل ، وزعم بعض قومنا أَن الكافر يقتل المؤمن به والحر بالعبد ورووا أَنه صلى الله عليه وسلم قتل مؤمناً بذمى ، والصحيح ما مر وبه جاءَ الحديث ، ولا يصح أَنه قتل مؤمناً بكافر ، ولا يقتل أَب أَو أمْ أَو وجد بالابن كما في الحديث وعن مالك أَنه يذبح ولده ، وتقتل الجماعة بالواحد كما قال عمر رضى الله عنه خلافا لأَحمد ، ولزم عليه كثرة إهراق الدماء بالجماعات وفى قتلهن كف ولا جحة له فى الآية لأَن المراد فيها ما شمل الجنس فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ } أَى بواحد مما ذكر من النفس والعين وقصاص الجروح وما بينهما أَى عفا عن الجانى ﴿ فَهْوَ ﴾ أَى الواحد مما ذكر باعتبار التصدق به أَو الهاء للتصدق ﴿ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ أَى لذنوب الذى عفا حتى ولى المقتول إِذا عفا فعفوه كفارة له لأَن له القتل أَو الدية فترك ذلك وتارة الدية ، وللمقتول عوض من الله إِن تاب القاتل وإِلا فمن حسناته والله أَعلمْ وعنه صلى الله عليه وسلم : « من أصيب في جسده كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه » ، فقيل : هذا فيمن عفى عن جانبه ، ففى رواية عنه صلى الله عليه وسلم :

« يحط عنه بقدر ما عفا من ذنوبه إِن عفا نصف بنصف الذنوب وربع بربع وثلث بثلث وكل بكل » ، أَعطى الولى دية وديتين وثلاثاً على عهد معاوية فأبى إِلا القتل فروى صحابى عنه صلى الله عليه وسلم من تصدق بدم غفر له من يوم ولد غلى أَن يموت ، وقيل المراد العموم كما تبادر وقيل الهاء للجانى وعليه ابن عباس أَى فالتصدق ستر للجانى عن أَن يؤخذ بذلك في الدنيا ، وأَما الآخرة فمتوقعة على التوبة ، أَو فالتصدق كفارة لجنايته أَى لا يؤخذ بها إذا تصدق عليه بها صاحب الحق ولو كان يؤاخذ في الآخرة على إصراره وأَما أَجر العافى ففى قوله : ﴿ فمن عفا وأَصلح فأَجره على الله ﴾ أَو المعنى فمن تصدق بالقصاص فى نفسه أَو فى الجروح أَو ما بينها بأَن انقاد لصاحب الحق أَن يقتص منه فالتصدق كفارة لجنايته ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ﴾ في القصاص أَو غيره ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ لأَنفسهم وغيرهم . وناسب ذكر الظلم لأَنه عقب تباعات مخصومة . والآية رد على ما اصطلحوا عليه من أَن لا يقتل الشريف بالوضيع ولا الرجل بالمرأَة ، ولما كانوا عليه من أَنه إِذا قتل النضير من قريظة أَدوا إِليهم نصف الدية وإِذا قتل قريظة من النضير أَدوا إِليهم الدية .

افتحه في القارئ · صفحة ٧١٤