سورة المائدة · الآية ٦٦ من ١٢٠

‹ السورة السابقة
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱۖ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ٦٦
الرسم الإملائيّ

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ

الجزء ٦الربع ٤٧ صفحة ١١٩

تفسيرها

[سورة المائدة — آية 66]

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ﴾ أقاموا أحكامها وحدودها وما فيها ، وإلاَّ فهما مستقيمان في الحقيقة بإقامة الله إياهما من غير إقامتهم إياهما ، وإقامته (لعله) القيام به ، والذب عنه . ﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ من سائر كتب الله ، لأنهم مكلَّفون الإيمان بجميعها فكأنما أنزلت إليهم ، وقيل : هو القرآن ، وقيل : هو كل حجة من حجج الله قامت عليهم ، من حجة عقل أو غيره . ﴿ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ حلالا طيبا ، يعني : من الثمار ، أو من ما أنزل من السماء من رزق . ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ يعني : الزرع ، أو هذا عبارة عن التوسعة ؛ ودليل الآية على أن العمل بطاعة الله سبب لسعة الرزق ؛ وهو كقوله : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ، ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ، ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ......) الآية ، ( وأن لو استقاموا على الطريقة …) الآية ، ومعنى هذه الآيات مخصوصة لأهل الطاعة ، ضاق عليهم الرزق أو اتسع ، (لعله) ولا يكون رزق المؤمن إلا واسعا وإن ضاق ، لأن ثوابه الجنة ، ولا يكون رزق الكافر إلاَّ ضيِّقا ، لأن الدنيا متاعها قليل ، كما قال : ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) . ﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ قيل : هي الأمة المؤمنة ، عادلة غير غالية ولا مقصَّرة ، ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ﴾ وكثير منهم ما أسوء عملهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٧٣٥

[سورة المائدة — آية 66]

ثم قال : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ ءَامَنُوا وَاتَّقُوْا ﴾ . قال بعضهم : لو آمنوا بما أنزل الله واتقوا ما حرّم الله ﴿ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ قال بعضهم : إذاً لأعطتهم السماء قطرها ، أو قال : بركتها ، والأرض نباتها .

وقال الحسن : لأوسعنا لهم في الرزق بهذا المطر . وهو قوله : ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ، [ أي على الإيمان ] ، لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً ﴾ [ الجن : 16 ] أي رَوَاء . وكقوله : ﴿ فَقُلْتُ استْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً ﴾ [ نوح : 10-11 ] . وإقامتهم التوراة والإِنجيل أن يؤمنوا بمحمد وما جاء به ، لأنهم قد أمروا بذلك في كتابهم .

قوله : ﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ أي متَّبعة ، يعني من آمن من أهل الكتاب برسول الله وبما جاء به . قال : ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ يعني من ثبت منهم على اليهودية والنصرانية .

افتحه في القارئ · صفحة ٧٣٥

[سورة المائدة — آية 66]

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإِنجيل ﴾ آمنوا بهما وعملوا بما فيهما من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والعمل بشرعه والدعاء إِليه بلا كتم ولا تحريف ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِليْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ من سائر كتب الله أُنزلت عليهم أَو على غيرهم ، لأَنهم كلفوا بها ، أَو المراد القرآن لأَنه أَنزل إِليهم كما أُنزل إِلى غيرهم ، أَعنى كلفوا به كغيرهم ، ومما أُنزل عليهم كتاب دانيال وكتاب شعياءَ وكتاب أَرمياءَ وزبور داود وكتاب حزقيل وكتاب حبقوق بقافين ﴿ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ الشجر العالى عليهم كالنخل وأَنواع ما يعلو ﴿ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ ما سفل عنهم من خرث وما نبت بلا حرث وما سقط من الشجر العالى ، وما بين ذلك داخل في الكلام كما يذكر الأَطراف ويترك ذكر الأوساط وهي مرادة ، أَو يرزقهم جنة كجنة سبأ بلا عمل يأكلون منها وما تساقط لا يعفن بالسقوط ، أَو المراد الكناية عن كثرة الأَرزاق لا خصوص الثمار ، ولا خصوص الجهات فتكون لهم بركات والأَرض نباتها وخيرها كقوله تعالى قيل لأَعطتهم السماءُ مطرها وبركتها والأَرض نباتها وخيرها كقوله تعالى ﴿ لفتحنا عليهم بركات من السماءِ والأَرض ﴾ ﴿ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ عادلة لا غالية ولا مقتصرة تعمل بالحق ، وهم من آمن بالنبى صلى الله عليه وسلم واتبعه كما قال مجاهد كعبد الله بن سلام . قيل ومن اتبع كتب الله قبل بعثته صلى الله عليه وسلم أَو بعدها ولم يبلغه خبره وقيل : عبد الله بن سلام ونحوه وأَربعون من النصارى ، وقيل النجاشى وأَصحابه ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ من معاندة وتحريف وإِعراض وإِفراط في عداوة ، وهذه الكثرة مقابلة القلة فمن ساءَ عمله ككعب ابن الأَشرف والروم أَكثر ممن اقتصد كما دل له قوله أَمة مقتصدة .

افتحه في القارئ · صفحة ٧٣٥