سورة المائدة · الآية ٨٩ من ١٢٠

‹ السورة السابقة
لَا یُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِیۤ أَیۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن یُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَیۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥۤ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِینَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِیكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲۖ فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ ثَلَٰثَةِ أَیَّامࣲۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَیۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوۤا۟ أَیۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَایَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٨٩
الرسم الإملائيّ

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

الجزء ٧الربع ٤٩ صفحة ١٢٢

تفسيرها

[سورة المائدة — آية 89]

﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ اللغو في اليمين : الساقط الذي لا يتعلَّق به حكم ، وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك ، وليس كما ظن ، وقيل : ما يجزي على اللسان بلا قصد ، وقيل : هو أن يحلف الرجل ببعض اليمين ، ثم يمسك عن تمامها خوف الإثم ، فهذا هو اللغو الذي لا يؤاخذ به ، وأما من أتم اليمين فقد عقدها ، وقد وجبت الكفارة عليه إن كان كاذبا ؛ وليس هو كما قيل : إن اللغو في الإيمان مثل قول الرجل : (( لا والله )) ، (( وبلى والله )) ، ولا يريد بهذا يمينا ، وأن هذا اللغو لا يؤاخذ به ، ولكن كلُّ ما حلف به الإنسان فهو لها أو عليه . ﴿ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ﴾ أي : بتعقيدكم الإيمان ، وهو توثيقها ؛ والعقد : العزم على الوفاء ، والمعنى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ) إذا حنثتم ، وإذا كان لا يؤاخذ بالإيمان من غير عقد ، فكذلك لا يثاب على أيمانه بغير عقد ؛ ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ وهو أن يغدِّيهم ويعشيِّهم ؛ وقيل : يجوز أن يعطيهم بطريق التمليك ، وهو ما حُدَّ في الشرع ، ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ قيل : الأوسط (لعله) الخبز والخلَّ ، وإلاَّ على الخبز (لعله) النجب ، والكلُّ مجزي . ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ ﴾ فبُّروا فيها ولا تحنثوا ، إذا لم يكن الحنث خيرا ، قيل : أراد به ترك الحلف ، أي : (لعله) لا تحلفوا ، وقيل : أراد به إذا (لعله) حلفتم فلا تحنثوا ، والمراد به حفظ اليمين عن الحنث ؛ وقيل : احفظوا كيف حلفتم بها ، ولا تنسوها تهاونا بها ، وقيل : إذا حلف وحنث ليحفظها حتى يكفِّرها ، ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ أعلام شريعته وأحكامه ، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ نعمته فيما علَّمكم ، فتعملوا به .

افتحه في القارئ · صفحة ٧٥٨

[سورة المائدة — آية 89]

قوله : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾

.

ذكروا عن جعفر بن أبي وحشية قال : قلت لسعيد بن جبير : قول الله : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ أهو الرجل يحلف على الشيء وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك؟ قال : لا ، ولكنه تحريمك ما أحلّ الله لك في يمينك ، فذلك الذي لا يؤاخذك الله بتركه .

وقال الحسن وغيره : هو الشيء يحلف عليه الرجل وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك .

ذكروا عن عطاء أنه قال : دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فسألناها عن هذه الآية فقالت : هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله .

﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ﴾ أي : ما حلفتم فيه معمّدين . وقال بعضهم : ما تعمّدت فيه المأثم فعليك فيه الكفارة .

قال : ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رََقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

ذكروا عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا عبد الرحمن لا تسأل الإِمارة ، فإنك إن تُعْطِهَا عن مسألة تُكَلْ إليها ، وإن تُعْطَهَا عن غير مسألة تُعَن عليها . وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأْت الذي هو خير وكفر عن يمينك » .

ذكروا عن الحسن أنه قال : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه إلاَّ طلاق أو عتاق .

قوله : ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ، أي يشبعهم . إن شاء أعطى كل إنسان منهم مدّين قمحاً ، وإن شاء مدّاً واحداً وإن شاء جمعهم على ثريد بخبز ولحم ، أو خبز وسمن ، أو خبز وزيت ، أو خبز ولبن؛ إن شاء غَداء وعَشاء ، وإن شاء أكلة واحدة غَداء أو عَشاء؛ وإن كانوا صغاراً فغداء وعشاء . وإن لم يجد عشرة مساكين جميعاً أطعم من وجد منهم اليوم ، ثم أطعمهم غداً ، ثم أطعمهم بعد غد حتى يتموا عشرة .

وأما قوله : أو كسوتهم فإن شاء كسا كل واحد منهم ثوبين وإن شاء ثوباً واحداً . وقال بعضهم : إن كسا ثوباً واحداً كان ثوباً جامعاً كساء وملحفة .

وذكر الحسن أن أبا موسى الأشعري كسا في كفارة اليمين لكل مسكين ثوبين معقدين من معقد البحرين .

وبه كان يأخذ الحسن .

قوله : ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ إن شاء أعتق رقبة صغيرة أو كبيرة ، وإن كانت من أهل الكتاب فلا بأس .

قوله : ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ﴾ أي : فمن لم يجد من هذه الأشياء الثلاثة شيئاً من الإِطعام أو الكسوة أو العتق فهو في ذلك مخيّر يفعل أيَّ ذلك شاء . وكل شيء في القرآن أو ، أو ، فهو في ذلك مخيّر ، وكل شيء في القرآن كذا وكذا ، فمن لم يجد فكذا وكذا ، فمن لم يستطع فكذا وكذا فإنه يبدأ بالأول فالأول .

قوله : ﴿ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ﴾ . أي : متتابعة ، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود : ( ثَلاَثَةِ أَيِّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ) .

قال : ﴿ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي لكي تشكروا نعمة الله .

ذكر بعضهم قال : الأََيمان أربعة : يمينان تكفران ، ويمينان لا تكفّران فأما اللتان تكفّران [ فهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل ، أو يقول : والله لأفعلن ثم لا يفعل ، وأما اللتان لا تكفران ] فالرجل يقول : والله ما فعلت وقد فعل ، والرجل يقول : والله قد فعلت ولم يفعل ذلك .

ذكروا عن ابن عباس أن رجلين تخاصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلف المدَّعِيَ البينةَ فلم تكن له بينة ، فاستحلف المدَّعى عليه بالله الذي لا إله إلا هو ، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق . فنزل جبريل فقال له : قل له يرد على الرجل حقّه ، وكفارته شهادته أو معرفته أن لا إله إلا الله .

قال بعضهم : إنما تكون الكفارة في المستقبل إذا حلف أن يفعل أو لا يفعل؛ فإذا أخبر عما مضى فليس عليه كفارة ، وإن كان لم يتعمد فليس عليه فيه مأثم ، فإن تعمّد الكذب فهو آثم ، وليس على واحد منهما كفارة ، ولكن يستغفر الله ولا يعود .

وذكروا عن الحسن في الرجل يقول للرجل؛ والله لتفعلن ويقول الآخر : والله لا أفعل فلا يفعل ، فليس على أحد منهما كفارة؛ يقول : إنما تكون الكفارة عليه إذا حلف على نفسه ، وأما إذا حلف على غيره فلا كفارة . وليس ينبغي أن يحلف على الغير أن يفعل أو لا يفعل حتى يقول : إن شاء الله؛ وهو قوله : ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله ﴾ [ الكهف : 23-24 ] أي : تقول : إن شاء الله .

وكان بعضهم يقال : إذا استثنى في اليمين قبل أن يتكلّم بَينهما بشيء فله ثنياه .

ذكروا عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن استثنى فله ثنياه » .

وقال بعضهم : ليس الاستثناء بشيء حتى يجهر باليمين .

وسئل بعضهم عن الرجل يحلف على الشيء الواحد فقال : كفارة واحدة . وكان الحسن يقول ذلك . وقال أبو عبيدة : إن جمع فكفارة واحدة وإن فرّق فلكل يمين كفارة .

افتحه في القارئ · صفحة ٧٥٨

[سورة المائدة — آية 89]

﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاَ طَيِّباً ﴾ لذيذاً ، لما مدح النصارى بالتقشف عن الدنيا وشهواتها زجر المسلمين عن إِفراطهم ، ثم نهاهم عن التفريط بالاعتداء فدين الله بين ذلك لا إِفراط ولا تفريط ، وكان صلى الله عليه وسلم يحب لحم مقدم الشاة ، ويأْكل ثريد اللحم ويحب الحلوى ويمدح الحلوى وثريد اللحم ويأْمر بأَكل الحلوى ، وقال صلى الله عليه وسلم : « إِن الله تعالى لم يأْمَرنى بالرهبانية » وقال صلى الله عليه وسلم : « شراركم عزابكم ، وأَرازل موتاكم عزابكم » وقال صلى الله عليه وسلم ، « من كان موسراً لأَن ينكح فلم ينكح فليس منى » ، وفى الآية النهى عن تحريم ما حل وتحليل ما حرم ، وفيها أَن الرزق يطلق على ما تملك الإِنسان من حلال أَو حرام ، وهو مذهبنا ومذهب الأَشعرية خلافاً للمعتزلة إِذ قصروه على الحلال ، وبيان ذلك أَنه لولا الاحتراز عن الروق الحرام لم يذكر حلالا ، وهو مفعول لكلوا أَو حال من ما أََو من عائدها المحذوف ، أَو مفعول مطلق أَى أَكلا حلالا ، والأَكل الحرام يكون بالأَكول الحرام إِلا أَن المعروف أَن المتصف بالحلال المأكول لا الأَكل ، وللمعتزلة أَن يقولوا ذكر حلالا توطئة لطيباً وأَن يقولوا الأَكل الحرام هو أَكل الحلال باسراف ﴿ وَاتَّقُوا الله الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ كيف تدعون الإِيمان به إِن خالفتموه في أَمره ونهيه وروى أَن هؤلاء الصحابة حلفوا على أَن يجتنبوا تلك الملاذ وأَن اجتنابها قربة ، ولما نهوا قالوا : يا رسول الله كيف نفعل بأَيْماننا فنزل قوله تعالى :

﴿ لاَ يُؤَاخذْكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ ﴾ وهو الحلف غلطاً والقصد إِلى لفظ الحلف بلا قصد حلف كقولك لا والله بلا قصد يمين ، والحلف على ما يعتقده أَنه وقع فيخرج خلافه كما اعتقد هؤلاءِ الصحابة أَن جب المذاكر واجتناب الطيبات ونحو ذلك قربة فخرج أَنها غير ربة ، وقيل : نزلت الآية في عبد الله بن رواحة أَخرت زوجه عشاءَ ضيفه فحلف لا يأْكل من الطعام ، وحلفت زوجه لا تأْكل إِن لم يأكل وحلف الضيف لا يأْكل إِن لم يأْكلا ، فأَكل عبد الله بن رواحة فأَكلا معه ، فقال صلى الله عليه وسلم له : « أَحسنت ، أَى بتحنيث نفسك » ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ ﴾ بتشديد القاف للمبالغة بأَن يكون الحلف بالله وباللسان والقلب ، أَو شدد لموافقة المجرد ﴿ الأَيْمَانَ ﴾ أَى بعقدكم الأَيمان من قلوبكم ، أَى بنكث عقدكم الأَيمان ، والنكث هنا الحنث ، أَو بما عقدتم عليه الأَيمان فحذف الرابط للعلم به ولو مجروراً بما لم يجر به الموصول ولم يتعلق بمثل ما تعلق به ما جر الموصول والمراد بنكث ما عقدتم عليه الأَيمان أَو بما عقدتم عليه الأيمان إِذا حلفتم وفي هذا رد على من فسر اللغو بما يعتقده ويخرج خلافه لأَنه يصدق عليه أَنه عقد الأَيمان عليه من قلبه ، والمعنى ترك الإِهمال فإِنه يؤخذ بالكفارة من عقد من قلبه ﴿ فَكَفَّارَتُهُ ﴾ صفة مبالغة أَى فعلته التى تبالغ في ستره وإِذهاب إِثمه ، أَى فستارته ، وفى عرف الفقه تغلبت عليه الإِسمية فالتاء للنقل ، وقد قيل فعال بالشد يجوز تذكيره مع المؤنث ، والهاء للنكث أَو للعقد باعتبار نكثه أَو الحنث المعلوم من منالمقام ، أَو لليمين لجواز تذكير اليمين كما قال القرطبي ، وقيل لا إلا بتأْويل الحلف ، أَو للحالف المعلوم من المقام المراد به الجنس ، واستدل الشافعية بذكر الكفارة بلا ذكر الحنث في الاية على جواز التكفير قبله بالمال لا بالصوم؛ لأَن الصوم لا يكون إِلا عند العجز عن غيره والعجز يتحقق بعد الحنث ، وقاسوا تقديم الكفارة على الحنث على تقديم الزكاة على الحول ، والصحيح أَنه لا يجوز إِلا بعده وفاقاً للحنفية لأَن موجبه الحنث ، ولا دليل في الآية ولا فى قوله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين فرأَى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأَت الذى هو خير؛ لأَن الواو لا ترتب ، وأَيضاً في ريواة فليأت الذى هو خير ثم ليكفر عن يمينه ، وروى أَن الشافعية يجمعون بين الروايتين في الحديث بأَن إِحداهما لبيان جواز التقديم والأُخرى لبيان الوجوب ، وفاءُ الجواب ترتب مجموع ما بعدها على ما قبلها ولا ترتيب لها بين أَجزاء ما بعدها ﴿ إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ بالعدد ولا يجزى إِطعام ما يكفيهم إِنساناً واحداً فصاعداً إِلى تسعة أَو أَحد عشر فصاعداً خلافاً لأَبى حنيفة ، وكذا فى الكسوة يعطى كسوة عشرة لواحد فعنده فيما يظهر ، والمراد بالإِطعام ما يشمل الإِيكال والكيل ولا يلزم التوالى فيجوز أَن يوكل اليوم إِنساناً أَو أَكثر ، ومن الغد أَو بعد الغد آخر أَو أَكثر ، حتى يتم العدد ، أَو يكيل كذلك أَو يوكل بعضاً ويكيل البعض كذلك ، والكيل مدان من الطعام الجيد أَو ثلاثة من دونه ، وأَجيز مدان من طعام مطلقاً ، وأُجيز مد ﴿ مِنْ أَوْسَطَ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ لا يجزئ الدون ولا يلزم الأَعلى ، وظاهر الآية عموم الطعام ، والحنفية نصف صاع من بر أَو صاع من شعير ، وعن ابن عمر : الأَوسط الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن والأَفضَل الخبز واللحم ، وعن ابن سيرين الأَفضل الخبز واللحم ، والأَوسط الخبز والسمن والأخس الخبز والتمر ، والرابط محذوف أَى ما تطعمونه ، وأَهلى جمع مذكر سالم شاذ قياساً لأَنه ليس أَهل علماً ولا صفة فعده بعض اسم جمع ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ قدر ما يكفى الأَنثى في الصلاة إِن كسا أَنثى وهو ما يستوها كلها إِلا الكف والوجه ، وكا يكفى الذكر فيها وهو مايستره من كتفه وقيل من سُرته إِلى أَسفل من ركبتيه قدر مالا ينكشف باطن ركبتيه إِذا ركع ، والكسوة إِما بمعنى اللباس فيقدر مضاف أَى وإِعطاء كسوتهم أَو إِلباس كسوتهم ، ويقدر أَيضاً أَو كسوتهم من أَوسط ما تكتسبون ، ويجزئ الرجل سراويل ، ويشترط أَن يكون مما ينتفع به ثلاثة أَشهر لا أَقل ، وعن ابن عباس : كانت العباءَة تجزئ ، وعن ابن عمر : قميص أَو رداء أَو كساء ، وعن الحسن ثوبان أَبيضان ، وعن جعفر الصادق ثوبان لكل مسكين ، ويجزئ ثوب واحد عند الضرورة ، ويجزئ كسوة صبى ، واشترط الحنفية أَن يكون مراهقاً .

﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ مؤمنة عندنا قياساً على رقبة القتل ، وأَيضاً الكفارة حق الله تعالى فلا يصرف إِلى عدو الله عز وجل كالزكاة التي جاءَ فيها : ضعوها في فقرائكم ، لا حملا للمطلق على المقيد وهكذا قل ولا تقل ما شهر من حمل المطلق على المقيد كما تقول الشافعية؛ وإِنما يصح هذا الحمل عندى لو كان النوع واحدا ، أَو إن شئت فقل لو كان السبب واحدا أَو المعنى واحدا وليس كذلك؛ فإِن اليمين نوع والقتل نوع ، فلو ذكر في موضع أَن على الحالف الحانث عتق رقبة مؤمنة وذكر في موضع آخر أَن عليه عتق رقبة لصح الحمل لاتحاد النوع ، والتحرير هو الواجب لا هو والكسوة لمحرر ، وصححوا وجوبها ، وأَجاز أَبو حنيفة عتق الرقبة الكافرة في جميع الكفارات : اليمين والظهار وغيرهما إِلا كفارة القتل ، والثلاثة على التخيير وهن فى الفضل على ترتيبهن في الآية . ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ ما ذكر ﴿ فَصِيام ثَلاثَة أَيَّامٍ ﴾ أَى فكفارته صيام ثلاثة أَيام ، أَو فعليه صيام ثلاثة أَيام ، ويشترط التتابع قياساً على الظهار أَو حملا لأَن ذلك كله نوع واحد وهو اليمين ، والقياس أَولى لتخالفهما ولو كانا جميعاً يميناً ، وغير الواجد من ليس له قوت سنة ، وقيل من لم يكن له عشرون درهما ، وقيل خمسة عشر درهما . وعن الشافعي غير الواجد من لم يكن عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ، وفضل ما يطعم عشرة أَو يكسوهم ، وعن أَبى حنيفة من لم يكن له نصاب فهو غير واحد ، وعن قتادة : لم لم يكن له خمسومن درهماً فغير واحد ، ومن غريب أَموره أَن قوله في الجديد أَن غير الواجد من من لا يملك كفاية العمر الغالب ولو ملك قوت أَيام أَو شهور أَو سنين ، وهو ظاهر البطلان ، وأَظن أَنه لا يصح عنه ذلك ، وللشافعي قول بعدم وجوب التتابع ولا ينقضه الحيض والنفاس خلافاً للحنفية ، وأَما قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة : فصيام ثلاثة أَيام متتابعات ففى من له اختيار ، وأَما من لا اختيار له كالحائض والنفساء فلا يشترط له أَن لا يفصله حيض أَو نفاس ، وكذا فيما روى عن ابن مسعود وأَبى بن كعب من التتابع ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما ذكر كله أَى الواحد منه ﴿ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذْ حَلَفْتُمْ ﴾ أَى وحنثتم ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم ﴾ عن الحنث بها ، أَو احفظوا أَيمانكم بأَن لا تحلفوا إِلا في أَمرمهم لداع صحيح ، وبأَن لا تواقعوها إِلا باسم الله ، واحفظوا شأْنها بالتكفير إِذا حنثتم ، أَو لا تنسوها فإِن حفظها أَفضل من الحنث والتزام الكفارة ، إلا إِن كانت على فعل مكروه أَو معصية أَو ترك طاعة فليحنث وجوباً بترك المعصية ، وبفعل الطاعة الواجبة ، واستحساناً في المكروه والطاعة غير الواجبة جاءَ الحديث بذلك ، وقيل : ترك المعصية وفعل الواجب كفارته ، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم :

« إنى والله لا أَحلف على يمين فأَرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يمينى وأَتيت الذى هو خير » ، ولا يفيد هذا تقديم الكفارة على الحنث جوازاً لأَن الواو لا ترتب ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ ﴾ أَى مثل ذلك التبيين في اليمين يبين الله ﴿ لَكُمْ آياتِهِ ﴾ سائر أَحكامه في الآيات ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ لعلكم تشكرون الله على تبيينه لكم فى سهولة وعلى نعمة التعليم وجعله المخرج لكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٧٥٨