سورة ق · الآية ٧ من ٤٥

‹ السورة السابقة
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَیۡنَا فِیهَا رَوَٰسِیَ وَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِیجࣲ٧
الرسم الإملائيّ

وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ

الجزء ٢٦الربع ٢٠٧ صفحة ٥١٨

تفسيرها

[سورة ق — آية 7]

}وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴿ بسطناها، ﴾وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴿ من كل صنف، ﴾بَهِيجٍ (7)﴿ حسن. ﴾تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8){ راجع إلى ربه، متفكر في بدائع صنعه.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٣٧

[سورة ق — آية 7]

﴿ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾ أي : بسطناها ، كقوله عز وجل : ﴿ وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ [ النازعات : 30 ] وهذا كله واحد .

ذكروا عن عطاء قال : بلغني أن الأرض دحيت من تحت الكعبة . وقال مجاهد : كان البيت قبل الأرض بألف عام ومدّت الأرض من تحته . وقال بعضهم : مكة أم القرى ومنها دحيت الأرض .

قال تعالى : ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ والرواسي الجبال ، أرسيت بها الأرض ، أي : أثبتت بها . أي : جعلت أوتاداً للأرض . وهو كقوله : ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾ [ النبأ : 6-7 ] .

ذكروا عن الحسن قال : لما خلق الله الأرض جعلت تميد ، فلما رأت ذلك الملائكة قالت : يا ربنا ، هذه الأرض لا يقرّ لك على ظهرها خلق . فأصبح وقد وتدها بالجبال . فلما رأت ملائكة الله ما أرسيت به الأرض أعظموا ذلك فقالوا : يا رب ، هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال نعم ، الحديد . قالوا : ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الحديد؟ قال نعم : النار . قالوا : ربنا ، هل خلقت خلقاً هو أشد من النار؟ قال نعم ، الريح . قالوا : ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال نعم : ابن آدم .

قال تعالى : ﴿ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أي : من كل لون ﴿ بَهِيجٍ ﴾ . وَكل ما ينبت في الأرض فالواحد منه زوج . ﴿ تَبْصِرَةً ﴾ أي : يتفكر فيه المؤمن ، فيعلم أن الذي خلق هذا قادر على أن يحيي الموتى ، وأن ما وعد الله من الآخرة حق . قال عزّ وجلّ : ﴿ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ أي : مخلص مقبل إلى الله بالإخلاص؛ كقوله عزّ وجل : ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ [ الزمر : 54 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٣٧

[سورة ق — آية 7]

﴿ والأرضُ مَددناها ﴾ بسطناها ، وهى كرية الشكل ، ولكنها لعظمها يحصل انبساط تام فى أجزائها ، وهى باعتبار المجموع كرية ، وكريتها تامة وناقصة من جهة القطب الجنوبى والقطب الشمالى ، وذلك قول الأكثر وفيه أن الماء الذى عليها لا يتكور ، فكيف تتكور دون ما فيها من ماء البحور ، فزعموا أن الماء يتكور معها حيث علت ، والله تعلى قادر ، وقالوا : انه لو غطى ماء فى وعاء مستو بغطاء مستو لابتل وسطه دون أطرافه ، والتجريب مكذب لهذا ، وان ثبت فهذا تكعب فلعله لا يتكعب فى أطراف الأرض .

وزعموا أن السفينة لا تظهر ، وكلما قربت ازدادت ظهورا ، وذلك لانحداب الماء ، ويرده أنها لا تظهر أيضا اذا كانت فى المحل من تلك المسافة ، وأيضا ذلك الانحداب قريب لا تقبله سعة الأرض ، وزعموا أنه لو سار أحد فى جهة واحدة مستمرا عليها لرجع الى مبدئه ، ومن أين لهم هذا ولا دليل لهم .

وزعموا أن اختلاف ظهور الهلال بالمواضع لتكورها وهو خطأ ، وانما هو لسحاب أو قرب جبل أو نحوه ، والا لزم كل موضع حال واحدة أبدأ من الظهور بتقصير الشهر وتكميله .

وزعموا أن الكواكب مكورة ، فلا بد أن تكون الأرض مكورة ، وذلك ملازمة لا تثبت ، إذ لا دليل عليها ، وقالوا : لو كانت بسيطة لطلعت الشمس عليها كلها بمرة ، وغرب بمرة ، قلنا ذلك لانجداب السماء أو الفلك أو لجريها فى انحداب ، وأى مانع من أن يكون ذلك لطول الأرض جدا مع انبساطها ، ويرده وجود الظل للشىء مطلقا ، وقالوا : خسوف القمر ناشىء عن حدب الأرض ، قلنا : يرده أنه يخسف تارة من جهة ، وتارة من جهة أخرى ، وانما ينخسف لميل الشمس عنه ، أو ميله عنها ، فلا يضىء منه الجزء الذى لم يقابلها ، نان كان الانخساف بالأرض فأى جزء منها تكعب فيخسف به ، مع أنها متكورة ، وأيضا الشمس لا تقطع المحيط كله ، بل تدور من سطه الى الشمال ، فكيف تقطع الأرض كلها من وراء المحيط ، فيكون جزءا من مجموعتها ، حلائلا بينها وبين القمر ، نعم أخبرنى رجل أنها تقطع المحيط كله ، والأرض بعده وأن بعض السفن قطعت المحيط الى أن أشرفت على الأرض بعده ، فقد تخسف بجانبها ، ويقال : القمر ينخسف فى كل شهر ، لكن فى أرض دون أخرى .

ثم انى قد أخبرتك أن الأرض ليست تامة التكوير ، بل بسطت عند القطبين ، ومنتفخة عند خط الاستواء ، وذلك من قياس خط نصف النهار ، وهو الدائرة العظيمة المارة بالقطبين التى تقسم الأرض الى نصفى كرة ، أحدهما شرقى ، والآخر غربى ، وقياس خط الاستواء وهو الدارئرة العظيمة التى تقسمها الى نصفى كرة ، أحدهما شمالى ، والآخر جنوبى ، فوجد أن خط الاستواء يزيد على طول نصف النهار بنحو سبعين ألف متر ، وكذا قطره ، ويزيد عن قطر خط نصف النهار بنحو عشرين ألف متر ، فعلى فرض تكرير الأرض ليس تكويرها تاما .

﴿ وألْقَيْنا ﴾ من السماء ﴿ فيها رواسِىَ ﴾ جبالا رواسى ، أى ثوابت ماسكة لها عن التحرك ، كما قال الله تعالى : ﴿ والجبال أوتادا ﴾ وقال : ﴿ أن تميد بكم ﴾ وقال الفلاسفة المتأخرون وبعض المغاربة : تتحرك بالحركة اليومية بما فيها من العناصر ، ولا شرك بذلك ، لأن التحرك المنفى فى القرآن التحرك المشاهد فى زعمهم ، والتحرك الذى أثبتوه لا يرى وهو خطأ ، لأن ظهر القرآن التحرك المشاهد فى زعمهم ، والتحرك الذى لهم على غير ذلك ، والأرض أنزلها الله تعالى فى الفراغ لا ترتكز على شىء كما ظنه اليهود أنها ارتكزت على قرن ثور ، أو ظهره ، وأن الثور على صخرة ، والصخرة على حوت ، والحوت فى بحر ، والبحر على الظلمة ، ونحو ذلك من الأقوال الباطلة ، وهل ترى الظلمة جسما يحمل شيئا ، ولزم التسلسل ، فدع السلسلة الى قدرة البارى الماسك لها بالتكوين دون مركز ، ولعل بعض الفراعنة الذين يعبدون البقر وضع ذلك عمدا أو تعمد أن الثور المعبود هو الواسطة فى حرثها وغرسها ومنفعها ، ونسى هذا المعنى المجازى ، وحمل الكلام على ظاهره .

﴿ وأنْبتْنا فيه من كُل زوج ﴾ صنف ﴿ بَهيجٍ ﴾ حسن يسر الناظرين .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٣٧