فَبِأَیِّ ءَالَاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ١٣
الرسم الإملائيّ
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
الجزء ٢٧الربع ٢١٣ صفحة ٥٣١
تفسيرها
}وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10)﴿ للخلق؛ وقيل للأنام: كل ذي روح. ﴾فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11)﴿ أوعية التمر، أو كل ما يكم، أي: يغطي من ليف وسعف. ﴾وَالْحَبُّ﴿ والثمرة ﴾ذُو الْعَصْفِ﴿ كالحنطة والشعير، وسائر ما يتغذى به، والعصف: ورق النبات اليابس كالتبن، ﴾وَالرَّيْحَانُ (12)﴿ بمعنى المشموم؛ أو الرزق، من قولهم: ” خرجت أطلب ريحان الله“ . ﴾فَبِأَيِّ آَلَاءِ﴿ والآلاء: النعم، ﴾رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴿ الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله: ﴾للأنام﴿؛ وقوله: ﴾أيها الثقلان{، وكأن الآلاء المذكورة في الآية عامة للمخاطبين: الجن والإنس إن كانت الآية عامة لهما جميعا، وكذلك ما بعدها من الآيات في هذه السورة.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩١٤
قوله عز وجل : ﴿ فَبِأَيِّ آلآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ يعني الثقلين : الجن والإنس .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩١٤
﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ الفاء لترتيب التوبيخ على كفران ما ذكر من النعم وصنوف الأَنعام ، وكل ما ذكر مثل هذه الجملة فترتيب على ما اتصل به فلا تكرير فى ذلك ، ولو كان تكريرا لكان بلا فاء بل مجردا أو بالواو لا بالفاء المبنية على ما قبلها ، وذلك كقولك لعبدك : ألا تطيعنى وقد ألبستك ، ألا تطيعنى وقد زوجتك ، ألا تطيعنى وقد خففت عنك الخدمة ، ألا ألا ، وقولك لمن أنعمت عليه مرارا وكفر النعمة : ألم تكن فقيرا فأَغنيتك ، أتنكر هذا ، ألم تكن عريانَ فكسوتك ، أفتنكر هذا ، ألم تكن خاملا فعززتك ، أفتنكر هذا . وهذا كثير فى كلام العرب والعجم مطردا لا ينكره إِلا جاهل معاند . ونقول لو لم يذكر هذا التكرير إِلا فى القرآن لكان معجزا ، إِذ لا يجد الإِنسان ثقلا فى تكيريره على نفسه ، بل كل واحد طرى جديد كأَنه منفرد ، كما يجد القارئ جدة تعجب ونشاط كلما قرأ قصة الخضر وموسى فى قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا رَكِبَا ﴾ ، كأَنه أول ما سمعها وجاء التكرير أيضا فى الشعر . قال الشاعر :
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا رجف العضاة من الدبور
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا خرجت مخبأَة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلا من كليب … غداة تأَثل الأَمر الكبير
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما جار جأش المستجير
وللعرب قصائد على هذا النمط من التكرير ، ومنه قول بعض المولدين ممن لو احتج به لجاز : أبا الفضل إِنى لم أقم ، وذكر رب لمزيد التوبيخ فإِن معناه مالك مرب منعم ومن هو كذلك لا يليق به أن يكفر ويعصى مع وضوح دلائله كأَنها ناطقة ، حتى أن الكفر بها كتكذيب من تكلم لما عبر بالتكذيب والخطاب للثقلين كما أنهما المراد بالأَنام أو الداخلان فيه ، كما مر وكما صرح به فى قوله عز وجل ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَن ﴾ وقيل الخطاب للذكر والأُنثى من بنى آدم وهو بعيد ، وقيل للواحد على العموم البدلى الصلوحى من خطاب الواحد بخطاب الاثنين ، كما هو قول فى قوله تعالى : ﴿ ألْقِيَا فِى جَهَنَّمَ ﴾ على عادة العرب فى سفر ثلاثة يخاطب منهم الواحد الاثنين وهو أبعد من الذى قبله .
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - سورة الرحمن على أصحابه ولم يجيبوه فقال : « الجن أفضل منكم فإِنى كلما قرأت ﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تَكَذِّبَانِ ﴾ قالوا لا بشئ من آلائك نكذب »
رواه جابر بن عبد الله ، ولفظ ابن عمر من رواية الطبرى والبزار والدارقطنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا فقال : « مالى أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم ، ما أتيت على قول الله تعالى : ﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ﴾ إِلا قالوا : لا بشئ من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد ولك الشكر » . ومثله للترمذى ذكر الله عز وجل ثمانى مرات فى عجائب خلق الله تعالى ومبدأ الخلق ومعادهم وسبعا فى ذكر النار وشدنها عدد أبواب النار ، وثمانى فى وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة ، وثمانى فى الجنتين اللتين دونهما ، فمن اعتقد الثمانى الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب النار أعاذنا الله منها ، والجملة إِحدى وثلاثون آية ﴿ خَلَقَ الإِنسَانَ ﴾ آدم ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ هذا بيان لأَصل خلقه بنى آدم ، فبنو آدم خلقوا من صلصال كالفخار بواسطة أبيهم ، فما بالهم يفتخرون ولا يشكرون النعمة ، وقد قيل الإِنسان بنو آدم لخلق أصلهم من ذلك ، والجمهور على الأَول لأَنه المخلوق حقيقة من صلصال كالفخار بلا واسطة ، والصلصال الطين المتيبس وهو مأخوذ من الصلصلة ، وهى تردد الصوت من الشئ اليابس ، وقيل الطين المنتن ، من قولهم : صل اللحم ، أى تغيرت رائحته . ويرده قوله تعالى : ﴿ كَالْفَخَّارِ ﴾ وهو ما أُحرق من الطين حتى تحجر ، فإِنه ليس فيه رائحة اللحم المنتن . وفى آية أخرى خلقه من تراب ، وفى أخرى من حمأ مسنون ، فذلك كله واقع ، أصله تراب جعل طينا ثم حمأَ مسنونا ثم صلصالا كالفخار ، وأصل الصاد الثانية لام أدغمت فيها اللام الأُولى ، ولفظ الآية يلوح أن الإِنسان متصور بصورة من يكثر التفاخر .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩١٤