خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلࣲ كَٱلۡفَخَّارِ١٤
الرسم الإملائيّ
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ
الجزء ٢٧الربع ٢١٣ صفحة ٥٣١
تفسيرها
}خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14)﴿ قيل: الصلصال: الطين اليابس الذي له صلصة، والفخار: الخزف؛ وقد خلق الله آدم من تراب، جعله طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا، فلا يخالف ذلك قوله: ﴾خلقه من تراب﴿ ونحوه. ﴾وَخَلَقَ الْجَانَّ﴿ قيل: الجن، أو أبا الجن، ﴾مِنْ مَارِجٍ﴿ من صاف من (لعله) لهب النار الدخان، ﴾مِنْ نَارٍ (15)﴿ بيان لـ»مارج« فإنه في الأصل للمضطرب، من مرج: إذا اضطرب. ﴾فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16){ مما أفاض عليكما من أطوار خلقكما، حتى صيركما أفضل المركبات، خلاصة الكائنات، فبأي نعم من هذه الأشياء التي ذكرنا تجحدان.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩١٥
قال تعالى : ﴿ خَلَقَ الإِنسَانَ ﴾ يعني ءادم ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ وهو التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة . وقال مجاهد : الذي قد صلَّ ، أي : أنتن .
قوله عز وجل : ( كَالْفَخَّارِ ) له صوت كالفخار المتكسر إذا حرّك . وكان آدم في حالات قبل أن ينفخ فيه الروح . قال تعالى في آية أخرى : ﴿ مِن طِينٍ ﴾ [ السجدة : 7 ] . وقال : ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ [ الحجر : 26 ] أي : من طين منتن فيما ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩١٥
﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ الفاء لترتيب التوبيخ على كفران ما ذكر من النعم وصنوف الأَنعام ، وكل ما ذكر مثل هذه الجملة فترتيب على ما اتصل به فلا تكرير فى ذلك ، ولو كان تكريرا لكان بلا فاء بل مجردا أو بالواو لا بالفاء المبنية على ما قبلها ، وذلك كقولك لعبدك : ألا تطيعنى وقد ألبستك ، ألا تطيعنى وقد زوجتك ، ألا تطيعنى وقد خففت عنك الخدمة ، ألا ألا ، وقولك لمن أنعمت عليه مرارا وكفر النعمة : ألم تكن فقيرا فأَغنيتك ، أتنكر هذا ، ألم تكن عريانَ فكسوتك ، أفتنكر هذا ، ألم تكن خاملا فعززتك ، أفتنكر هذا . وهذا كثير فى كلام العرب والعجم مطردا لا ينكره إِلا جاهل معاند . ونقول لو لم يذكر هذا التكرير إِلا فى القرآن لكان معجزا ، إِذ لا يجد الإِنسان ثقلا فى تكيريره على نفسه ، بل كل واحد طرى جديد كأَنه منفرد ، كما يجد القارئ جدة تعجب ونشاط كلما قرأ قصة الخضر وموسى فى قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا رَكِبَا ﴾ ، كأَنه أول ما سمعها وجاء التكرير أيضا فى الشعر . قال الشاعر :
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا رجف العضاة من الدبور
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا خرجت مخبأَة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلا من كليب … غداة تأَثل الأَمر الكبير
على أن ليس عدلا من كليب … إِذا ما جار جأش المستجير
وللعرب قصائد على هذا النمط من التكرير ، ومنه قول بعض المولدين ممن لو احتج به لجاز : أبا الفضل إِنى لم أقم ، وذكر رب لمزيد التوبيخ فإِن معناه مالك مرب منعم ومن هو كذلك لا يليق به أن يكفر ويعصى مع وضوح دلائله كأَنها ناطقة ، حتى أن الكفر بها كتكذيب من تكلم لما عبر بالتكذيب والخطاب للثقلين كما أنهما المراد بالأَنام أو الداخلان فيه ، كما مر وكما صرح به فى قوله عز وجل ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَن ﴾ وقيل الخطاب للذكر والأُنثى من بنى آدم وهو بعيد ، وقيل للواحد على العموم البدلى الصلوحى من خطاب الواحد بخطاب الاثنين ، كما هو قول فى قوله تعالى : ﴿ ألْقِيَا فِى جَهَنَّمَ ﴾ على عادة العرب فى سفر ثلاثة يخاطب منهم الواحد الاثنين وهو أبعد من الذى قبله .
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - سورة الرحمن على أصحابه ولم يجيبوه فقال : « الجن أفضل منكم فإِنى كلما قرأت ﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تَكَذِّبَانِ ﴾ قالوا لا بشئ من آلائك نكذب »
رواه جابر بن عبد الله ، ولفظ ابن عمر من رواية الطبرى والبزار والدارقطنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا فقال : « مالى أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم ، ما أتيت على قول الله تعالى : ﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ﴾ إِلا قالوا : لا بشئ من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد ولك الشكر » . ومثله للترمذى ذكر الله عز وجل ثمانى مرات فى عجائب خلق الله تعالى ومبدأ الخلق ومعادهم وسبعا فى ذكر النار وشدنها عدد أبواب النار ، وثمانى فى وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة ، وثمانى فى الجنتين اللتين دونهما ، فمن اعتقد الثمانى الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وأغلقت عنه أبواب النار أعاذنا الله منها ، والجملة إِحدى وثلاثون آية ﴿ خَلَقَ الإِنسَانَ ﴾ آدم ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ هذا بيان لأَصل خلقه بنى آدم ، فبنو آدم خلقوا من صلصال كالفخار بواسطة أبيهم ، فما بالهم يفتخرون ولا يشكرون النعمة ، وقد قيل الإِنسان بنو آدم لخلق أصلهم من ذلك ، والجمهور على الأَول لأَنه المخلوق حقيقة من صلصال كالفخار بلا واسطة ، والصلصال الطين المتيبس وهو مأخوذ من الصلصلة ، وهى تردد الصوت من الشئ اليابس ، وقيل الطين المنتن ، من قولهم : صل اللحم ، أى تغيرت رائحته . ويرده قوله تعالى : ﴿ كَالْفَخَّارِ ﴾ وهو ما أُحرق من الطين حتى تحجر ، فإِنه ليس فيه رائحة اللحم المنتن . وفى آية أخرى خلقه من تراب ، وفى أخرى من حمأ مسنون ، فذلك كله واقع ، أصله تراب جعل طينا ثم حمأَ مسنونا ثم صلصالا كالفخار ، وأصل الصاد الثانية لام أدغمت فيها اللام الأُولى ، ولفظ الآية يلوح أن الإِنسان متصور بصورة من يكثر التفاخر .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩١٥