وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَكُمۡ خَلَٰۤئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَٰتࣲ لِّیَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِیعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورࣱ رَّحِیمُۢ١٦٥
الرسم الإملائيّ
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
الجزء ٨الربع ٦٠ صفحة ١٥٠
تفسيرها
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ ﴾ لأن بعض الخلق يخلف بعضا ، وهكذا سنة الله في خلقه ، وكلُّ من جاء من بعد من مضى يخلفُه فيما يعمل ، فهو خليفة له . ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ في الشرف والرزق والعلم وغير ذلك . ﴿ دَرَجَاتٍ ﴾ لا لعبا ولا عبثا ولكن ﴿ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال والعلم وقوة الأجسام والغرائز ، فينظر كيف تشكرون تلك النعم . ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾ في الدنيا والآخرة لمن كفر نعمته . ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن قام بشكرها . ووصف العقاب بالسرعة لأن الخذلان يحيط بالكافر حين الكفر لا قبل ولا بعد ، فجدير أن يحذر ؛ أو لأن ما هو آت قريب ، ( وما أمر الساعة إلاَّ كلمح البصر أو أقـربُ ) .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٥٤
قوله : ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ ﴾ .
قال بعضهم : خَلَفاً بعد خلف . وقال الحسن : خلائف بعد الهالكين . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أنتم توافون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله » .
قوله : ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ فيما أعطاكم [ من الفضائل في الدنيا ] ﴿ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ ﴾ أي ليختبركم فيما أعطاكم ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ ﴾ أي إذا جاء الوقت الذي يريد أن يعذبهم فيه حين كذّبوا رسله ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ غفّار لمن تاب من شركه وآمن ، ومن تاب في الإِيمان من ذنوبه رحيم لهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٥٤
﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ ﴾ جمع خليفة ، والخليفة إِذا كان المؤنث يؤنث وإِذا كان لمذكر يذكر ولا يؤنث فتقول : جاءَ الخليفة وهذا الخليفة ، ولا تقول جاءَت أَو هذه ، وشذ قوله : أََبوك خليفة ولدته أخرى ، وظاهر قول بعض إِن منهم من يقول خليفة أُخرى ، أَن التأنيث لغةن ومعنى جعلهم خلائف أَنهم يخلفون من قبلهم أَو أَن بعضا يخلف بعضا ، أَو جعلكم خلفاءَ الله فى أَرضه فوحدوه واعبدوه ولا تجوروا فىتصرفاتكم فيها ، أَو الخطاب للمؤمنين جعلهم خلفاءَ الأُمم السابقة ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ بالمال والجاه والشرف والقوة والحسن والغنى والعلم والجود وكرم الأَخلاق ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ ﴾ أَيكم يشكر الخير ويصبر على السوءِ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾ للعصاة ، والسرعة عبارة عن القرب ، لأَنها سبب للقرب وملزوم له فى الجملة ، وكل ما هو آت قريب أَو سريع التمام إِذا جاءَ لا يؤخر عن وقته ﴿ وإِنه لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ بالغ فى الغفران والرحمة بصيغتى المبالغة ولام التأكيد وإِسنادهما إِلى نفسه بخلاف العقاب فلا صيغة مبالغة فيه ولا معه لأَن سريع صفة مشبهة لا صيغة مبالغة ، ولا أَسند السرعة إِلى نفسه ولا أَسند العقاب إِلى نفسه ، إِذ لم يقل إِنى سريع فى العقاب ولا إِنى معاقب سريعا ، وذلك تلويح بأَنه غفور رحيم بالذات وكثير الغفران والرحمة ومعاقب بالعرض قليل العقاب ، وذلك ترجيح للمغفرة والرحمة ، ومعنى قولنا بالذات بالأَصالة والرجحان وسبق الرحمة للغضب لا ما قيل إِن معنى بالذات أَن غفرانه ورحمته لا يتوقفان على شئ ، ومعنى بالعرض أَن العقاب يتوقف على الذنب ، لأَنا نقول المغفرة والرحمة تتوقفان على العمل الصالح والتوبة فإِن عدم توقفهما على ذلك مذهب المرجئة ومن اعترف منهم ، قال بعض :
أَنا مذنب أَنا مخئ أَنا عاصى … هو غافر هو راحم هو عافى
قابلتهن ثلاثة بثلاثة … ولتغلبن أَوصافه أَوصافى
وقال الشافعى :
ولما قسا قلبى وضاقت مذاهبى … جعلت الرجا ربى لعفوك سلما
تعاظمنى ذنبى فلما قرنته … بعفوك ربى كان عفوك أَعظما
قال أَبو نواس :
يا رب إِن عظمت ذنوبى كثرة … فلقد علمت بأَن عفوك أَعظم
إِن كان لا يرجوك إِلا محسن … فمن يلوذ فيستجير المجرم
وفى الأَعراف اللام فى الموضعين لأَن ما فيها بعد ﴿ وأَخذنا الذين ظلموا ﴾ وبعد ﴿ كونوا قردة ﴾ فناسب اللام فى سريع لذلك ، ولأَنه مقطوع بالعذاب فيها ، وهنا فى وعظ لمن يزدجر وبعد قوله : من جاءَ ، وقوله : وهو الذى ، وكانت اللام فى الثانية فى الأَعراف تبعا للأُلى فيها ولتأكيد الغفران فى الجملة لا فى للمقطوع عليهم بالشر المذكورين قبلها . والله أَعلم ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٥٤