سورة الأنعام · الآية ٣٣ من ١٦٥

‹ السورة السابقة
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَیَحۡزُنُكَ ٱلَّذِی یَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا یُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِینَ بِءَایَٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ٣٣
الرسم الإملائيّ

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ

الجزء ٧الربع ٥٢ صفحة ١٣١

تفسيرها

[سورة الأنعام — آية 33]

﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ من التكذيب والأقوال الكاذبة ، ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ المعنى : أن تكذيبك أمر راجع إلى الله ، لأنك رسوله المصدِّق بالمعجزات ، فهم لا يكذبونك في الحقيقة ، وإنما يكذبون الله ، وتكذيب الرسل تكذيب للمرسل ، ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ﴾ تسلية لرسول الله  ، وهو دليل على أن قوله : ( فإنهم لا يكذبونك ) ليس بنفي لتكذيبه ، ﴿ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ ﴾ فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم ؛ ﴿ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ﴾ لما حكم به ، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه ، فقال : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، أنهم لهم المنصورون ، وإن جندنا لهم الغالبون ) ولا نقض لمواعيده ، ﴿ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ بعض أنبيائهم وقصصهم ، وما ابدوا من مصابرة المشركين ؛ قيل : وكان يكبر على النبي  كفر قومه وإعراضهم ، ويحب مجيء الآيات ليسلموا فنزل :

﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ ﴾ شق عليك ، ﴿ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ عن الإسلام ، ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً ﴾ منفذا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض ، حتى نطلع لهم آية يؤمنوا بها ﴿ فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم ﴾ منها ﴿ بِآيَةٍ ﴾ فافعل ، والمعنى : أنك لا تستطيع ذلك ، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه ، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض ، أو من فوق السماء ، لأتي بها رجاء إيمانهم ، وقيل : فتأتيهم بآية أفضل مما أتيماهم به ، يريد أنه لا آية أفضل منه ، ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾ لجعلهم يختارون الهدى ، ولكن لما علم منهم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجعلهم على ذلك ، كذا قال أبو منصور ؛ ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ بالحرص على ما لا يكون ، والجزع في مواطن الصبر ؛ فإن ذلك من دأب الجهلة .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٢٢

[سورة الأنعام — آية 33]

قوله : ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ أي إنك ساحر وإنك شاعر ، وإنك كاهن وإنك مجنون ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ ﴾ يعني المشركون ﴿ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ﴾ أي يكذّبون .

وقال الكلبي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تظاهرت عليه قريش بالتكذيب شقَّ عليه ذلك وحزن ، فأخبره الله أنهم لا يكذبونك وقد عرفوا أنك صادق ، ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ﴾ . وهي مثل قوله : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ [ النمل : 14 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٢٢

[سورة الأنعام — آية 33]

﴿ قَدْ نَعْلَمُ ﴾ تحقق علمنا أَو كثر ، كقول زهير فى مدح أَبى حذيفة بن بدر :

أَخا ثقة لا يتلف الخمر ماله … ولكنه قد يهلك المال نائله

أَى عطاؤه ، ومعنى كثر علم الله كثر أَجزاء معلومه إِذ علم من كل جزء وإِن دق ، والا فصفات الله ذاتية ، وهو لا يتصف بالأَجزاء ، أَو من أَقل معلوماتنا إِجزان الذى يقولون إِياك ، وذلك كما نفسر قد فى قولهك قد يعلم ما أَنتم عليه ، وقوله : قد يعلم الله المعوقين ، بالتحقيق أَو بتكثير معلوماته من ذلكن أَو بتقليلها بالنسبة ، والتحقيق أَن قد مع المضارع بالوضع والكثرة والقلة إِنما هى من خارج ، وقيل هى للتقليل واستعمالها فى الكثرة استعارة أَحد الضدين للآخر ، والأُولى فى قول سيبويه أَن قد كرب أَنها بمعناها فى التقليل ، ﴿ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ ﴾ أَى الكلام الذى يقولونه ، أَو القول الذى يقولونه من أَنك ساحر أَو مجنون أَو شاعر أَو تتكلم بأَساطير الأَولين أَو يعلمك بشر ، ﴿ فَإِنَّهُمْ ﴾ علة لمحذوفن أَى لا تحزن لأَنهم ، أَو دم على الصبر لأَنهم ﴿ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ مضارع أَكذب فهو من أَفعل الذى للوجودن أَى لا يجدونك كاذباً ، أو للنسب ، أَى لا ينسبونك إِلى الكذب من قلوبهم ، بل من أَلسنتهم فقط ، أَو لا يصيرونك كاذباً ، بل أَنت باق على الصدق ، وهذا فى الجملة فإِن منهم من يكذبه من قلبه ، ومنهم من يكذبه بلسانه وقد علم صدقه من قلبه لكنه جحد كما قال ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِنَ بآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أَو لا يكذبونك لعلمهم بصدقك فى طول عشرتك ، ولكن يقولون ما جئت به غير صحيح فى نفسه ، ولست مفتريا له ، كما روى أَن أَبا جهل لعنه الله يقول : ما نكذبك وإِنك عندنا لصادق ، وإِنما نكذب ما جئت به ، تظن أَن مخبرك به صادق وليس صادقاً ، قيلك لكن تغير عقلك فقلت ما قلت لا بكذب منك ، وقيل لا يكذبونك كلهم ، بل منهم من يصدقك ، فنزلت الآية ، وقيل لا يكذبونك كلهم ، بل منهم من يصدقك ، فنزلت الآية ، كما روى أَن الأَخنس قال لأَبى جهل لعنهما الله تعالى : ليس معنا ها هنا أحد فأَخبرنى عن محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال : والله إِنه لصادق وما يكذبك ، لكن إِذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فما لسائر قريش ، وكان الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف بن قصى بن كلاب يكذب النبى صلى الله عليه وسلم علانية ويقول لأَهل بيته : ما محمد من أَهل الكذب ولا أَحسبه إِلا صادقاً ، ففى ذلك كله ونحوه نزلت الآية ، أَو لا يكذبونك فى الحقيقة ، بل كذبوا آيات الله ، وذلك أَن الله صدقه بالإِ‘جاز فكذبوا هذا التصديق فهذه نصرة له صلى الله عليه وسلم ، إِذا كان مكذبه مكذباً لله عز وجل ، وتضمن ذلك وعداً بالنصر ، ولا يكذبونك بقلوبهم بل بأَلسنتهم ، ويجوز أَن يكون فإِنهم لا يكذبونك على ليحزنك ، أَى ليحزنك الذى يقولون من التكذيب ، لأَنه ليس تكذيباً لك خاصة ، بل فى تكذيبهم تكذيب لله ، كما روى أَنه لا يحزن لنفسه ولا يغضب لنفسه ، بل فيما كان لل جلا وعلا ، ويجوز أَن يكون الجحود التكذيب ، أَى ما كذبوك ولكن كذبوا آيات الله ، أَى تكذيبك ليس منحصراً فيك ، بل فيه تكذيب الله فى آياته ، وذلك كقوله تعالى :

﴿ إِن الذين يبايعونك إِنما يبايعون الله ﴾ ومقتضى الظاهر ولكنهم بآيات الله يجحدون ، فوضع الظاهر موضع الضمير ، ليصفهم بالظلم ، وليدل على أَنهم ظلموا بجحدهم ، أَو على جحدوا لتمرنهم على الظلم ، وعلى ما مر من إِبقاء الجحد علىنفى الإِنسان ما علمه تكون الباء لتضمن الجحد معنى التكذيب .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٢٢