سورة الأنعام · الآية ٣٢ من ١٦٥

‹ السورة السابقة
وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡءَاخِرَةُ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ٣٢
الرسم الإملائيّ

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

الجزء ٧الربع ٥٢ صفحة ١٣١

تفسيرها

[سورة الأنعام — آية 32]

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ أي : باطل وغرور ، لا بقاء لها ؛ أي : والحياة الدنيا تعبَّر هنا بالباطل ، كما قال : ( أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ) (لعله) وعملها كاسمها ، جواب لقوهم : ( إن هي إلا حياتنا الدنيا ) . واللعب : ترك ما ينفع لما لا ينفع ، واللهو : الميل عن الحد إلى الهزل ؛ قيل : ما أهل الحياة الدنيا إلاَّ أهل لهو ولعب ، وقيل : وما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ، لأنها لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة ، ﴿ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ ﴾ قُرىءَ : ( وَلَدَارالآخرة ) على على الإضافة ، أضاف الدار على الآخرة ، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين ، كقوله : ( وحب الحصيد ) ، وقولهم : ربيع اولآَّل ، ومسجد الخليع . سميت الدنيا لدنوها ، (لعله) قيل : لدناءتها ﴿ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وفيه دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو . ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ دوام الآخرة وخلوص منافعها ولذاتها على الدنيا ، وقوله : ( للذين يتقون ) على أن ليس من أعمال المتقيين لعب ولهو .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٢١

[سورة الأنعام — آية 32]

قوله : ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ [ أي إن أهل الدنيا أهل لعب ولهو ] كقوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾ [ يونس : 7 ] ذكر الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » .

قال : ﴿ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٢١

[سورة الأنعام — آية 32]

﴿ وَمَا الحيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبق وَلَهْو﴾ ما أَعمال الحياة الدنيا التى هى معاص أَو مكروهات وما لا يعنى والمباحات التى لم تصرف إِلى الطاعة بنية إِلا لعب وهنو مالا نفع فيه ولا جد ، بل هزل ، وإِلا لهو وهو اشتغال عما بهم مما ينفع أَو يتوهم نفعة ، وأَخرج بعضهم عن اللهو واللعب ما هو من مروة المعاش ولم تقصد به معصية ، وقيل اللعب ما يشغل النفس عما تنتفع به ، واللهو صرفها عن الجد إِلى الهزل ، فالدنيا ذمت من هذا الوجه ، ومدحت من حيث إن الطاعة -ومنها المباح المصروف إِليها- تكتسب فيها ، فنعمت المطية ، والكلام من التشبيه البليغ ، ولو لم يقدر المضاف وهو أَعمال وجعلت الدنيا نفسها لعباً ولهواً مبالغة لصح ، وقيل اللهو وهو أَعمال الهم بما لا يصح أَن يصرف به ، واللعب طلب المسرة بما لا يحسن أَن تطلب به ، وقيل اللعب ما به ، واللعب طلب المسرة بما لا يحسن أَن تطلب به ، وقيل اللعب ما قصد به تعجيل المسرة ، واللهو ما شغل من هو وطرب ، وقيل ما قدم من غير ترك للآخر لعب ، وما ترك به الآخر ونسيه لهو ، وقيل هما فى الشئ الواحد باعتبارين ، فإِذا أَقبل على الباطل أَعرض عن الحق ، فإقباله لعب وإِعراضه لهو ، وقدم اللهو فى العنكبوت ، والله أَعلم ، لأَن المقام فيها لقصر الحياة الدنيا واللهو مما يقصر به الزمان ، وأَيام السرور قصار ، والمقام هنا للرد على الكفرة فى إِنكار الآخرة ، والمراد مسرة الدنيا وهى كلا شئَ فقدم لعب ، أَو قدمه لإِقبالهم على الباطل قولا وفعلا ، أَو لأَن اللعب مقدم خارجاً على اللهو ، أَجاب قولهم ﴿ إِن هى إِلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ﴾ بقوله عز وجل وما الحياة الدنيا إِلا لعب ولهو ، وبقوله ﴿ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ ﴾ لدوامها وعدم تكدر لذاتها من الدنيا لعنائها وتكدر لذاتها ونقص لذاتها ، أَو خير بمعنى منفعة ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك والمعاصى ، أَو أَفضل لهم فى الدنيا ، وأَما الكفار فما لهم فى الدنيا منفعة لهم ، لا ما فى الآخرة ، وما ليس من أَ‘مال المتقين لهو ولعب لا يؤدى إِلى سعادة ، واللام للابتداء متصل بأَلف أَل التى حذفت وبقيت اللام بعدها ، ومقتضى قوله : وما الحياة الدنيا أَن يقال وما الدار الآخرة إِلا جد وحق ، لكن أُيم مقامه مسببه وهو الخيرية للذين يتقون ، ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ للحاضرين أَو تغليب لهم على الغائبين فيكون توبيخهم منطوقاً به كالحاضرين ، أَى أَلا يتفكرون فلا يعقلون ، أَو تغفلون فلا تعقلون أَن الدار الآخرة خير ، وأَن الدنيا لعب ولهو ، قيل اللهو واللعب مترادفان ، وأَنهما ما يلهو به الصبيان ويجتمعون عليه ساعة مبتهجين ويتفرعون ، وذلك صرف الهم بما لا يحسن صرفه به ، أَو طلب الفرح بما لا يحسن أَن يطلب ، واختار بعض أَن كل لعب لهو ولا عكس ، فبينهما عموم وخصوص مطلق ، لأَن اللهو يشكل المباح والحرام دون اللعب ، لأَن كل لعب حرام ، وما استثنى منه فهو فى صورة اللعب ، فالأَخص يستلزم الأَعم ، وذكر الأَعم بعده يحتاج إِلى عناية ، وهى أَنهم يلعبون به ويلهيهم ذلك اللعب فحينئذ يحسن الأَعم بعد ذكر الأَخص ، كقوله تعالى : وكان رسولا نبياً ، أَى أَرسلهم إِليهم فأَنبأَهم عنه ، ولذلك قدم مع أَنه أَخص ، وأَما تقديم اللهو فى بعض الآيات فعلى الأَصل من تقديم الأَعم لأَن العام لا شعور له بأَخص معين ، والأَصل فى العطف التغاير ، فهما غير مترادفين .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٢١