فَلَوۡلَاۤ إِذۡ جَاۤءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَٰنُ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ٤٣
الرسم الإملائيّ
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الجزء ٧الربع ٥٣ صفحة ١٣٢
تفسيرها
﴿ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ أي : تضرَّعوا بالتوبة ! ، ومعناه : نفي التضرُّع ، كأنه قيل : فلم يتضرَّعوا إذ جاءهم بأسنا ، ولكنه جاء بـ (( لولا )) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرُّع ؛ ﴿ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فكان سبب منع التضرُّع إليه قسوة قلوبهم ، ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فصاروا معجبين بأعمالهم ، أو زيَّن لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا .
﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ من البأساء والضراء ، أي : تركوا الاتعاظ به ، ولم يزجرهم ؛ ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الصحة والسعة وصنوف النعم ؛ وهذا فتح استدراج ومكر ، أي : (لعله) بدلنا مكان البلاء والشدة ، الرخاء والصحة . ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ ﴾ من الخير والنعم فرحا، بمعنى الركون إليه ، والاعتماد عليه والثقة به ، والطمأنينة بوجوده ، دون وعد الله ؛ ﴿ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾ أخذ تعذيب فجاءة ، أمن ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا لهم [ كذا ] ، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ آيسون من كل خير متحيرون ، وأصله الإطراق حُزنا لما أصابه ، ندما على ما فاته ، قال أبو عبيدة : (( المُبلس : النادم الحزين ، وأصل الإبلاس : الإطراق من الحزن والندم )) ؛ وروي عن رسول الله : (( إذا رأيت يعطي لأحد ما يحب ، وهو مقيم على معصية ، فإنما ذلك استدراج )) ، ثم تلا : ( فلما نسوا ما ذكِّروا به .. ) الآية )) ؛ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ هُلكوا عن آخرهم ، ولم يُترك منهم أحد ، ﴿ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ إيذان لوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة ، وأنه من أجل النعم ، وأجزل القسم ؛ ثم دلَّ على قدرته ، وتوحيده بقوله :
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ﴾ بأن أصمَّكم وأعماكم ، فلم تسمعوا ، ولم تُبصروا عواقب ما يضرُّكم ولا ينفعكم ، ﴿ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم ﴾ فشلَّت العقول والتمييز . ﴿ مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴾ نكررها تارة من جهة المقدمات العقلية ، وتارة من جهة الترغيب والترهيب ، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين ، وقيل : يُبين الآيات والعلامات الدالة على التوحيد والنبوَّة ، ﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها ؛ والصدف : الإعراض عن الشيء .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٢
قوله : ﴿ فَلَوْلاَ ﴾ أي فهلا ﴿ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ﴾ أي إنهم لم يتضرعوا . ﴿ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي غلظت قلوبهم فلم يؤمنوا . وهذا الذي كان يصيب الأمم من البأساء والضراء إنما هو شيء يبتليهم الله به قبل العذاب لعلّهم يؤمنون ، فإذا لم يؤمنوا أهلكهم الله . قال : ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٢
﴿ فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ﴾ كل من اولا التوبيخية هذه وإِذ عائد إِلى قوله ﴿ تَضَرَّعُوا ﴾ وبخهم على ترك التذلل ، وإِظهار الضعف والخوشع لله حين مجئ البأْساء والضراء ، وحذف الضراء لذكره قبل ، وهو لمعنى يعم الضراء ، وهذا كتمن بحسب حال البشر كافة قبل ليتهم تضرعوا ، كما أَن قوله ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ ترج بحسب عقول البشر ، وذلك لقيام مقتضى التضرع وهو البأْس والضراء ﴿ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ استدراك بين الضدين ، أَى ما لانت قلوبهم ، بل غلظت ، أَى بقيت على الغلظة ، أَو زادت غلظة كقولك : ما قام عمرو بل قعد ، وقوله لكن إِلخ . . إِخبار ، وصح عطفه على لولا إِلخ . . مع أَنه إِنشاء ، لتضمنه معنى الإِخبار ، وهنو انتفاء تضرعهم ، ولا يجوز أَن تكون لولا للتخصيص لعدم الاستقبال ، إِذ قال : تضرعوا ، وقال : قست بصيغة الماضى ، وكذا فى قوله ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ من الشرك وما دونه من المعاص ، أَو زين لهم عملهم ، وهذا فى حيز الاستدراك ، أَى تركوا التضرع لقسوة قلوبهم وإِعجابهم بأَعمالهم وإِصرارهم عليها ، ولم يخطر ببالهم أَن ما جاءَهم من البأْساء والضراءِ إِنما هو لأَجلها ، والتزيين إِما إِيجاد الشئ حسناً كقوله : زينا السماءَ الدنيا ، وكصنع الصائغ أَو النجار أَو البانى شيئاً ، وإِما تحسينه من غير إِيجاد كتزيين الماشطة العروس ، وإِما كالآية ، وكتزيينه تعالى للكافر كفره ، كما قال : زينا لكل أمة عملهم ، وكتزيين غير الله شيئاً لغير الله ، كقوله تعالى : زين لكثير من المشركين قتل أَولادهم شركاؤهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٢