قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡءَایَٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ٦٥
الرسم الإملائيّ
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
الجزء ٧الربع ٥٤ صفحة ١٣٥
تفسيرها
قوله تعالى : ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ ﴾ هو الذي عرفتموه قادراً ، وهو الكاملُ القدرة ِ ﴿ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة ، ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ كما أغرق فرعون ، وخسف بقارون ، وعن ابن عباس : (( يريد : من فوقكم السلاطين الظلمة ، ( أو من تحت أرجلكم ) أي : من كان أسفل منكم )) . ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أو يُخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى ، كلُّ فرقة منكم مشايعة لإمام ، وذك الافتراق هو عين العذاب ، ومعنى خلطهم : أن ينشب القتال بينهم ، فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال ، ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ يقتل بعضكم بعضا ، والبأس : السيف ؛ ﴿ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴾ بالوعد والوعيد ، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ يتعلَّمون ، فيعلمون عواقب الأمور ، وما صرف ذلك عنهم إلاَّ رحمته التي وسعت كل شيء .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٥٤
قوله : ﴿ قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .
ذكروا أن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت ﴿ قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم إني أعوذ بوجهك » قال : ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ قال : هو ما كان بعد النبي عليه السلام من الفرقة والاختلاف .
ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوماً صلاة فأطالها فقيل : يا رسول الله : قد رأيناك اليوم تصلي صلاة ما رأيناك تصليها قال : « إنها صلاة رغبة ورهبة ، وإني سألت ربي فيها ثلاثاً ، فأعطاني منها اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته ألا يسلّط على أمتى عدواً من غيرها ، فأعطانيها ، وسألته ألا يسلط على أمتى السَّنَةَ فيهلكهم ، فأعطانيها ، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فَمنعنيها » .
ذكروا أن رسول الله قال : « استقيموا ونِعِمَّا إن استقمتم ، وخير أعمالكم الصلاة ، ولن تجوعوا ولن تُعلَو ولا أخاف عليكم إلا أنفسكم » .
وفي تفسير عمرو عن الحسن في قوله : ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ أي فيحصبكم بالحجارة كما حصب قوم لوط أو ببعض ما ينزل من العذاب ، ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ أي بخسفة أو برجفة ، ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أي اختلافاً يخالف بعضكم بعضاً ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ أي فيقتل بعضكم بعضاً . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سألت ربي ألا يظهر على أمتى أهل دين غيرهم فأعطاني ذلك ، وسألته ألا يهلكهم جوعاً فأعطاني ذلك ، وسألته ألا يجمعهم على ضلالة فأعطاني ذلك ، وسألته ألا يلبسهم شيعاً فمنعني ذلك » .
قوله : ﴿ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴾ أي كيف نبيّن الآيات ﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ أي لكي يفقهوا .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٥٤
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ حصر للقدرة على أَنواه الهلاك فى الله بعد حصرها على الإِنجاز من المهالك فيه ، والعذاب من فوق كالحجارة التى نزلت على أَصحاب الفيل ، والحجارة التى نزلت على قوم لوط ، وكالطوفان على قوم نوح النازل من السماء ، والصاعقة والريح ، وكالريح النازلة على قوم هود ، والصيحة النازلة على قوم صالح وعلى قوم شعيب ، ونمرود وقومه ، والظلة لقوم نوح ، وكالخسف لقارون ، وكإغراق فرعون وقومه ببحر القلزم وهو فى الأَرض ، ولا يضرُّكَوْنُ ذلك من تحتهم وعلو الماء عليهم ، وعلو الأَرض على قارون لأَن البدءَ من أَسفل ، أَو يعد العلو من فوقهم ولابدء من تحت الأَرجل ، قيل كما روى عن ابن عباس : ويجوز أَن يكون الفوقية والتحتية معقولتين غير محسوستين ، مجازاً بأَن يكون الفوقية استعلاءً أَكابرهم عليهم فيضرونهم ، والتحتية تسفل شأن عبيدهم وأَراذلهم وعامتهم فيضرونهم ، وتضر العامة أَيضاً بعضهم بعضاً ، واللبس الخلط ، وشيعاً حال ، أَو ضمن معنى التصيير فشيعاً مفعول ثان بمعنى فرق مختلفة بالأَهواء كل واحدة تتبع إِمامها ، أَو اللبس الخلط بانتشاب القتال بينهم ، والمفرد شيعة ، كسدرة وسدر ، وهو من يتقوى به الإِنسان وأَتباعه وأَنصاره وقد اجتمعوا على أَمر ، ويطلق الشيعة على المفرد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث ، ويذيق بعضكم بأْس بعض بالقتال ، والبأس الأَلم ، أَو يذيق بعضكم قتال بعض ، وسبب ذلك تفرق الأَهواء عن الحكم الشرعى فتخطىءَ الشيع ، وقد يكون بعض على الهدى وعدوه على الضلال ، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم قال عند قوله عذاباً من فوقكم : أَعوذ بوجك ، وعند قوله أَو من تحت أَرجلكم : أَعوذ بوجهك . وعند قوله أَو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأْس بعض : هذا أَهون وهذا أَيسر ، وفى مسلم : سأَلت ربى أَلاَّ يجعل بأْس أُمتى بينهم فمنعنيها ، أَى لم يجب دعوتى . وبدؤه من خلافة عثمان بعد مضى ست سنين منها . وقال الترمذى : وعن خباب بن الأَرت : أَطال صلى الله عليه وسلم صلاة فقيل له : صليت صلاة لم تكن تصليها ، فقال : « أَجل إِنها صلاة رغبة ورهبة ، إِنى سأَلت ربى فيها ثلاثاً فأَعطانى اثنتين ومنعنى واحدة ، سأَلته أَلا يهلك أَمتى بالجدب فأَعطانيها ، فسأَلته أَلا يسلط عليهم عدوا من غيرها فأَعطانيها ، وسأَلته أَلا يذيق بعضهم بأْس بعض كما فعل ببنى إِسرائيل فمنعنيها » ويروى : زويت لى الأَرض ، فقيل لى عن الله : ستملك ما رأَيت ، وسأَلت ربى أَلا يستأصل أُمتى بقحط ، وأَلا يستأصلهم عدو فأَعطانيها ، وأَلا يلبسهم شيعاً ، ولا يذيق بعضهم بأس بعض . فالاثنتان الممنوعتان فى رواية سأَلت ربى أَربعاً فأَعطانى اثنتين ومنعنى اثنتين اللبس شيعاً ، وإِذاقة بعض بأس بعض ، والثالثة هى كلتاهما فى رواية سأَلته ثلاثاً فأَعطانى اثنتين ومنعنى الثالثة ، ووجهه أَن الإِذاقة من توابع اللبس شيعاً ، وكذا فيما يروى : سأَلت ربى أَربعاً فأَعطانى ثلاثاً ، أَلاَّ تجتمع أُمتى على ضلالة ، وأَلا يظهر عليهم عدو من سواهم ، أَى فيستأصلهم ، وأَلا يهلكهم بالقحط فأَعطانيهن ، وسأَلته أَلا يلبسهم شيعاً ، ولا يذيق بعضاً بأس بعض فمنعنيها ، ويروى أَنه قال لما نزلت الآية : أَما أَنها الأَربعة كائنة أَى بدون استئصال ، وأَحاديث عدم الكون بمعنى أَنها لا تكون باسستئصال ، فلا منافاة ولم يأْت تأويلها بعد ، وعن أَبى العالية : وقعت اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ، ألبسوا شيعاً وأذيق بعضهم بأْس بعض ، وبقيت اثنتان الخسف والمسخ ، والتأويل والماصدق الذى ترجع إليه وتفسر به تفضل الله عز وجل بتأخير المسخ والخسف إِلى قرب الساعة جداً ، وعنه صلى الله عليه وسلم : سأَلت الله أَلا يبعث على أمتى عذاباً من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، فأعكانى ذلك ، وسأَلته أَلا يجعل بأْسهم بينهم فمنعنيها ، ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ﴾ نكرر مع بيان ﴿ الآيَاتِ ﴾ التى تتلى أَو الدلالات بها ، وذلك فى التوحيد والشرك والوعد والوعيد ﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهونَ ﴾ يعلمون أَنك على الحق وأَنهم على الباطل .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٥٤