سورة الأنعام · الآية ٧٤ من ١٦٥

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِیمُ لِأَبِیهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّیۤ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینࣲ٧٤
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

الجزء ٧الربع ٥٥ صفحة ١٣٧

تفسيرها

[سورة الأنعام — آية 74]

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً ﴾ استفهام توبيخ ، أي : أتتخذها آلهة وهي لا تستحق الإلهة ، ﴿ إِنِّي أَرَاكَ ﴾ بعين البصيرة ﴿ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ظاهر الضلالة .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٦٣

[سورة الأنعام — آية 74]

قوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَِبِيهِ ءَازَرَ ﴾ . قال [ مجاهد ] آزر الصنم ، وأبوه تارح . المقرأ على هذا التفسير استفهام : آزر؟ ﴿ أَتتخذ أصناماً ءَآلهة ﴾ أي أتتخذه إلهاً؟ ومقرأ الحسن بالرفع؛ آزرُ ، يقوله إبراهيم لأبيه؛ أتتخذ أصناماً آلهة .

وبعضهم يقرأها بالنصب ويقول : اسم أبيه آزر؛ يقرأها بغير استفهام في أولها . يقول : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ، ويستفهم في آخرها . وكذلك استفهام الحسن في آخرها .

قال : ﴿ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي بيّن .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٦٣

[سورة الأنعام — آية 74]

﴿ وَهوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ قائماً بالحق والحكمة ، أَو الباء بمعنى اللام ، أَى لإِظهار الحق فإِن صنعه دليل وحدانيته ، فهو كقوله تعالى ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلا ﴾ وقوله ﴿ وما خلقنا السموات والأَرض وما بينهما لاعبين ﴾ وقالت المعتزلة أَن معنى قوله بالحق أَنه واقع على وفق مصالح العباد المكلفين ، مطابق لمنافعهم ، ومذهبنا ومذهب الأَشاعرة أَن فعل الله لا يختص بمصلحتهم ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُون ﴾ واذكر يوم يقول للخروج من القبور كن فيكون ، أَو يقول لكل ما يكون فى اليوم الآخر كن فيكون ، أَو يوم يقول للنفخ فى الصور كن فيكون ، لا يوم يكون الصور؛ لأَن الصور موجود من أَول الدنيا ، قيل : أَو يوم يقول لهذا اليوم كن فيكون هذا اليوم ، أَى اذكر يوماً سيكون بإِذن الله تعالى ، والكون تام وفيه اتحاد اليوم ووقت القول ، وهو لا يتجه إِلا أَن يراد باليوم المذكور فى الآية وقتاً متصلا بيوم البعث قبله ، أَو ثابتاً بالحق يوم ينفخ ، أَو خلق السموات والأَرض ، وخلق يوم يقول عطف على السموات أَو الأَرض أَو عطف على الهاء أَى واتقوا يوم يقول ، والمراد بقول كن توجه الإِرادة الأَزلية إِلى وجود شىء ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ مبتدأ وخبر ، أَو مبتدأَ خبره يوم يقول ، والحق نعته ، أَو الحق فاعل يكون ، أَو مبتدأَ خبره يوم ينفخ ﴿ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّور ﴾ ثبت له الملك يوم ينفخ فى الصور نفخة الموت ، وأَما قبله فلغيره أَملاك بحسب الظاهر ، لكن الملك له تعالى بالحقيقة ، ويوم القيامة لا مدعى للملك ويختص بالله عز وجل ، كقوله عز وجل ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ أَو يوم بدل عن يوم ، أَو يتعلق بتحشرون ، أَو بالملك أَو بيقول ، أَو بالحق الثانى ، أَو بقوله ﴿ عَالِمُ الغَيْبِ ﴾ ذى الغيب أَو الغائب أَى ما غاب من الخلق أَو عن بعضهم مما مضى أَو يأْتى أَو وجد من الدنيا والآخرة ، وملك النفخ واحد على المشهور ، وفيه كلام بسيط ، وفى البزار والحاكم عن أَبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن ملكين موكلين بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان ﴿ وَالشَّهَادَةِ ﴾ ذى الحضور ، أَو الحاضر أَى هو عالم الغيب والشهادة ، أَو فاعل ليقول أَو لينفخ محذوفاً مبنياً للفاعل دل عليه المذكور المبنى لمفعول كقوله : ليْبكَ يزيد ضارع لخصومة . بالبناء للمفعول ورفع يزيد ، كأَنه قيل من يبكيه؟ فقال : يبكيه ضارع ، وقوله تعالى : ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال . رجال ﴾ فى قراءة البناء للمفعول ، كأَنه قيل : من يسبح له؟ بالبناء للفاعل . فقال : يسبح له رجال ، وقوله شركاؤهم فى قراءة بناء زين لمفعول ورفع قتل ، كأَنه قيل : من زينه؟ فقال : زينه شركاؤهم ، ومعنى كون الله نافخاً آمر بالنفخ ، وهذا الوجه ضعيف لأَنه لم يرد التوقيف بأَنه تعالى نافخ حقيقه حاشاه ، أَو مجازاً ، خلافاً لمن أَجاز الاسم إِذا ورد الفعل كقوله ضحاها ، ودحاها ، ونفخنا فيه ، ونفخنا فيها ، أَو المراد نفخة الموت ، أَو نفخة البعث ، وقبلها نفخة الدهش ، وفي الصور نائب فاعل ينفخ ، والصور جمع صورة ، أَو اسم جمع ، يجمع الله جسد كل ميت ويرده فى صورته ، ويأْمر الملك بالنفخ ، ولا يعترض على هذا بقوله عز وجل ،

﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ بتذكير ضميره؛ لأَن ما مفرده بالتاء يجوز تذكيره الله سبحانه فيه الأَرواح لورود الحديث به أَنه جسم مستطيل فيه ثقب بعدد الأَرواح ، قال أَعرابى : ما الصور؟ قال صلى الله عليه سولم : قرن ينفخ فيه ، وقال صلى الله عليه وسلم لأَصحابه : « كيف أَنتم وقد التقم صاحب القرن القرن وحتى جبهته وأَصغى سمعه ينتظر أَن يؤمر فينفخ . فكأَن ذلك ثقل عليهم ، فقالوا : كيف نفعل يا رسول الله؟ وكيف نقول؟ قال : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، وعلى الله توكلنا » ثم رأَيت ما قلته سابقاً قول الحسن ومقاتل وأَبى عبيدة ﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ ﴾ صاحب الحكمة فى خلقه المصيب فى أَفعاله ﴿ الْخَبِيرُ ﴾ العالم بباطن الأَشياء كظاهخرها ، فهذا جامع لما تقدم وهو كفذلكة الحساب لما قبلها ، ولما أَنكر على قريش عبادة مالا يضر ولا ينفع احتج عليهم بأَن إِبراهيم عليه السلام الذى هو أبوكم وتدعون أَنكم على ملته لا يعبد إِلا الله ولا يعرف سواه ، فقال :

﴿ وَإِذْ ﴾ مفعول لا ذكر محذوفاً معطوفاً على قل ، أَى قل لهم أَندعو ، اذكر إِذ ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ تارخ بالخاء المعجمة فى التوراة كما فى تاريخ البخارى الذى أَلفه فى المدينة إِلى ضوء القمر ، وبالمهملة عند بعض ، وقيل تيرح ، آزر اسم ، وتارخ بالمعجمة لقب ، أَو بالعكس ، والأَول أَولى لما روى أَنه كان يعبد صنماً اسمه آزر فسمى به ، كقوله تعالى : ﴿ يوم ندعو كل أناس بإِمامهم ﴾ ، وقدر بعض لأبيه عابد آزر ، وقيل : آزر صنم مفعول لمحذوف ، أَى أَتعبد آزر ، وقرره بقوله بعد ذلك ﴿ أتتخذ أَصناماً ﴾ إِلخ ، وأَبوا إِبراهيم سمى ذلك الصنم آزر ، ويقال : إِبراهيم بن تارح بن ناحور بن ساروغ ابن أَرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن فينان بن أَدفخشد بن سام ابن نوح ، وقيل : اسمه تارخ ، ولما كان مع نمرود قيما على خزائن آلهته سماه آزر ، والقيم على الخزانة يقال له فى لغتهم آزر ، وهو كوثى بضم الكاف ، قرية فى سواد الكوفة ، وآزر عطف بيان أَو بدل ، أَو نصب على الذم ، ومنع الصرف للعلمية والعجمة ، ووزنه أَفعل أَو فاعل بفتح العين ، أَو هو من الأَزر أَو الوزر ، فمنع للعلمية ووزنه الفعل ، وهو أَفعل ، أَو أَصله المخطئ أَو المعوج أَو الهرم ، وجعل علما وليس نعتاً فمنع أَيضاً للعلمية ووزن الفعل وهو أَفعل ﴿ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً ﴾ توبيخ على عبادة الأَصنام وإِنكار للياقتها ، وكان من كنعان وهم معتقدون لإلهية النجوم فى السماء ، وإِلهية الأَصنام فى الأَرض يجعلون للنجوم صنما يعبدونه فيشفع لهم إِلى النجم فيقضى لهم ، وجميع أَجداد النبى صلى الله عليه وسلم ، منزهون عن عبادة الأَصنام ، ومن عبدها منهم عبدها بعد أَن خرج صلى الله عليه وسلم منه ، فلا حاجة إِلى دعوى أَن آزر جده ولو كان الجد أَبا ، ولا إِلى دعوى أَن آزر عمه والعم يسمى أبا كما فى الحديث ، وأَن أَباه مؤمن ، وجاءَ أَن العم أَب فى قوله تعالى

﴿ أَم كنتم شهداءَ إِذا حضر يعقوب الموت ﴾ إِلى أَن قال ﴿ وإِسماعيل ﴾ وهو عمه لا أَبوه ولا جده ومع ذلك أَدخله فى الآباء ، قال محمد بن كعب : الخال والد والعم والد ، وتلا هذه الآية ، قال صلى الله عليه وسلم فى العباس : « ردوا على أَبى » ، ذلك كله صحيح لا بأْس به لقيام الدليل ، وأَما آزر فأَى دليل على تفسيره بالعم حتى يخرج عن ظاهر الآية ، وأَما قوله : رب اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين ، فقد قال الله عز وجل فيه ﴿ وما كان استغفار إِبراهيم لأَبيه إِلا عن موعدة وعدها إِياه ﴾ الآية . . وأَما قوله صلى الله عليه وسلم : « لم أَزل أَنقل من أَصلاب الطاهرين إِلى أَرحام الطاهرات » فالمراد فيه الطهارة من الزنى ، وإِن زنى بعض فبعد خروجه صلى الله عليه وسلم منه ، وجاءَ الحديث : « ولدت من نكاح فى جميع نسبى كنكاح الإِسلام » ، وأَما قوله ﴿ وتقلبك فى الساجدين ﴾ فالمراد فيه طوافه على أَصحابه ليلا وهم يصلون ليرى حالهم ، أَو سجوده فى الصلاة بهم ، أَو معهم ، أَو نظره فيمن يصلى خلفه ، والصنمك ما يتخذ من خشب أَو حجارة أَو حديد أَو نحاس أَو ذهب أَو فضة ، أَو غير ذلك على صورة الإِنسان ﴿ إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ ﴾ الذى اجتمعت معهم فى اتخاذ الأَصنام آلهة ﴿ فِى ضَلاَلٍ ﴾ عن الحق الإِلهى وعما يقتضيه العقل ﴿ مُبِينٍ ﴾ ظاهر الضلالة . قيل : الجملة مجرد إِرشاد لا توبيخ وتعيير لئلا يكون قد أَساءَ الأَدب مع أَبيه ، نعم هى تعليل للإِنكار والتوبيخ فى قوله : أَتتخذ ، حتى أَ ، ه قيل : لو كان أَباه لو يغلظ ، فالتغليظ دليل أَنه ليس أَباه ، وفيه أَن العم يعامل بما يقرب من التغليظ لا بالتغليظ ، ويه : أَنه لا بأْس بمثل هذا التوبيخ والتعيير فى اللفظ ، وليس هذا تغليظ موصولا إِلى الجفاء والنفرة ، وأَيضاً إِبراهيم حكيم ، ولعله ظهر له أَن الكلام الشديد يؤثر فيه والغيب لله عز وجل ، قال المعرى :

اضرب وليدى وادلله على رشدى … ولا تقل هو طفل غير محتلم

فرب شق برأس جر منفعة … وقس على شق رأس السهم والقلم

فقد وبخ وعير بقوله : أَتتخذ أَصناماً آلهة ، والرؤية بصرية ، إِذ رأَى بعينه جوارحه تكسب ما هو معصية ، أَو هى علمية .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٦٣