فَلَمَّا جَنَّ عَلَیۡهِ ٱلَّیۡلُ رَءَا كَوۡكَبࣰاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّیۖ فَلَمَّاۤ أَفَلَ قَالَ لَاۤ أُحِبُّ ٱلۡءَافِلِینَ٧٦
الرسم الإملائيّ
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
الجزء ٧الربع ٥٥ صفحة ١٣٧
تفسيرها
﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ أي : أظلم ، ﴿ رَأَى كَوْكَباً ﴾ قيل : وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب ، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم ، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدٍّ إلى تشابه المخلوقات ، من أحوال [ من ] ليس بإله ، لقيام دليل الحدوث فيها ، وأن لها مُحدثا أحدثها ، ومُدبراً دبَّر طلوعها وأُفُولها ، انتقالها ومسيرها وسائر أحوالها ؛ فلما رأى الكوكب الدُّري الذي كانوا يعبدونه ، ﴿ قَالَ هَـذَا رَبِّي ﴾ أي قال لهم : هذا ربي في زعمكم ؛ ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ أي : لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٦٥
قوله : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ﴾ [ أي مُلْك ] ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم : ذكر لنا أن إبراهيم فُرَّ بِهِ من جبَّار مُتْرَف ، فَجُعِل في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه ، فجعل لا يمصّ إصبعاً من أصابعه إلا وجد فيه رزقاً . وإنه لما خرج من ذلك السّرب أراه الله ملكوت السماوات؛ أراه شمساً وقمراً ونجوماً وغيوماً وخلقاً عظيماً ، وأراه ملكوت الأرض؛ فأراه جبالاً وبحاراً وأنهاراً وأشجاراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً .
وقال مجاهد : ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ أي : آيات السماوات والأرض .
وقال الكلبي : بلغنا أن إبراهيم وُلد في زمان النمرود الجبّار ، وأنه كان مع نمرود كهنةٌ يخبرونه أنه يولد في هذه السنة غلام يفسد آلهة أهل الأرض ويدعو إلى غير دينهم ، ويكون هلاك أهل بيته على يده . فقال النمروذ : فإن دواء هذا هيّن : أن نعزل النساء عن الرجال ، وننظر كل حبلى ، فإذا ولدت غلاماً قُتِل ، إلى أن تمضي السنة . قالوا : افعل ذلك ، وإلا فهو الذي قلنا لك . ففعل النمرود ، فعزل الرجال عن النساء ، وجعل على كل عشرة وكيلاً أميناً؛ فكان أمين العشرة إذا طهرت امرأة رجل منهم حال بينه وبينها ، فإذا حاضت تركها إلى أهلها حتى تطهر . فرجع أبو إبراهيم إلى أهله فوجد امرأته قد طهرت ، فواقعها فحملت . فقال الكهان : إن الغلام قد حُمِل به الليلة . قال : فانظروا إلى كل امرأة قد استبان حملها فخلوا سبيلها ، وانظروا اللائي يبقين ، وكلما ولدت امرأة غلاماً فاقتلوه فلما دنا وِلاَدُ إبراهيم ، وأخذ أمَّه المخاضُ ، خرجت هاربة فوضعته في نهر يابس ، وألقته في حفرة تحت حلفاء .
ثم رجعت إلى زوجها فأخبرته أنها ولدت غلاماً ، وأنه في مكان كذا وكذا . فانطلق إليه أبوه فأخذه فحفر له سرباً . فواراه فيه ، وسدّ عليه بصخرة مخافة السّباع . وكانت أمه تختلف إليه وترضعه حتى فُطِم وعقل ، فقال لأمه : من ربي؟ فقالت : أنا . قال : فمن ربّك أنتِ؟ قالت : أبوك ، فقال : فمن ربّ أبي؟ ، فضربته وقالت له : اسكت ، فسكت ، فرجعت إلى زوجها فقالت : أرأيت الغلام الذي كنا نَتَحَدَّث به أنه يغيِّر دين أهل الأرض ، فإنه ابنك . فانطلق أبوه ، فسأله إبراهيم ، قال : يا أبت ، من ربّي؟ قال : أمك .
قال : فمن ربّ أمي؟ قال : أنا . فمن ربّك؟ فضربه وقال اسكت .
فلما أمسى دنا إبراهيم من باب السرب فإذا الكوكب ويزعم الناس أنه الزهرة قال : هذا ربي . وذلك قوله تعالى :
﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ أي لا أحب ربّاً ليس بدائم .
﴿ فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً ﴾ أي طالعاً . وليس هذا من حديث الكلبي . ﴿ قَالَ : هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ ﴾ أي غابت رفع إبراهيم الصخرة عن باب السرب ثم خرج فأتى قومه ، فإذا هم عاكفون على أصنام لهم ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ .
قالوا فمن تعبد؟ قال : ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً ﴾ والحنيف المسلم ، وقال الحسن : المخلص ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ .
قال الله : ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ ﴾ قالوا يا إبراهيم أما تخاف من آلهتنا أن تخبلك أو تفسدك وأنت تسبّها؟ فقال : ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ﴾ [ يعني من هذه الأوثان ] ﴿ ولاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ﴾ أي حجة ﴿ فَأَيُّ الفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ ﴾ على الاستفهام ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي : من عبد إلهاً واحداً أحق أن يأمن ، أو من يعبد آلهة شتى ، ذكراناً وإناثاً ، صغاراً وكباراً ، كيف لا يخاف من الكبير إذ يسوّيه بالصغير؟ وكيف لا يخاف من الذكر إذ يسوّيه بالأنثى؟ اخبروني أي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون .
قال الله : ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا ﴾ [ أي ولم يخلطوا ] ﴿ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ﴾ أي : بشرك ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .
قوله : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وقال الحسن : ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ ﴾ أي : ملك السماوات والأرض . ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ ﴾ أي : أتاه الليل ﴿ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ أي لا أحب الذاهبين . وأَهمَّه النظر في ذلك فراعى الكوكب حتى ذهب وغاب ، قال : وطلع القمر ، وكان ذلك في آخر الشهر . ﴿ فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً ﴾ ، أي طالعاً ﴿ قَالَ هَذَا رَبِّي ﴾ . فراعاه حتى غاب ، ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ ﴾ أي : ذهب ﴿ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾ . قال : فأراد تقرباً من معرفة الله؛ ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً ﴾ ، أي طالعة ﴿ قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ﴾ أي من القمر والكوكب . قال فراعاها حتى غابت .
﴿ فَلَمَّا أَفَلَتْ ﴾ ، أي ذهبت ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ ، أي للذي خلق السماوات والأرض ﴿ حَنِيفاً ﴾ ، والحنيف المخلص ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكَين . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ ﴾ أي : إلى الإِسلام ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمَا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ﴾ . قال الحسن : وكيف أخاف ما أشركتم من هذه الأوثان المخلوقة ﴿ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ﴾ أي حجة ، أي بعبادة الأوثان ، ولم يأمر بعبادتها ، ولم يأمر إلا بعبادة نفسه ، وأنتم لا تخافون الذي يملك موتكم وحياتكم . ﴿ فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي : من عبد الله أو من عبد الأوثان .
وقال مجاهد : هي حجة إبراهيم . وقول الله : ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ﴾ أي بشرك ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ﴾ يوم القيامة ﴿ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ أي : في الدنيا . على طريق الجنة .
ذكر الحسن أن عمر بن الخطاب قال لأبي بن كعب : يا أبا المنذر ، آية في كتاب الله أحزنتني . قال : وأيّ آية يا أمير المؤمنين؟ قال : قول الله : ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ﴾ قال : أينا لم يظلم؟ قال : يا أمير المؤمنين إنها ليست حيث تذهب ، ألم تسمع إلى قول العبد الصالح حيث يقول لابنه : ﴿ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [ لقمان : 13 ] ، إنما هو الشرك .
ذكروا أن أبا بكر الصديق قال : ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلْمٍ ﴾ أي بشرك .
وقال بعضهم : الآية محتملة لظلم الشرك وظلم النفاق ، جامعة لهما جميعاً ، وهو ظلم فوق ظلم ، وظلم دون ظلم . وهذا حقيقة التأويل .
قوله : ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ﴾ قال الحسن : بالنبوّة .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٦٥
﴿ فَلَمَّا جَنَّ ﴾ أَظلم ﴿ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ وستره بظلامه ، وهذه القصة فى باب ، وقيل قرب حلب ، وقيل : جادلهم على سبيل الترقى لعلهم يذعنون ولا ينفرون ، فإِن كونه عليه السلام لا يحب الآفلين دون كونهم ضالين ، دون البراءَة منهم والإِشراك ، والفاءَات فى القصة للترتيب الذكرى ، أَو كما قال ابن هشام : إِن التعقيب فى كل شىء بحسبه ، والنجم فى ليلة والقمر فى ليلة والشمس تطلع فى يوم بعد ليلة ، ولا يتصور أَن يرى الكوكب بعد ما جن الليل ويغيب ويطلع القمر بعد غيوب النجم ويغيب القمر قبل فجر يومه ، أَو قبل طلوع شمسه إِلا إِن فسرنا غيوب القمر بذهاب نوره لنور الشمس فيتصور ذلك فى ليلة ويومها . وعن ابن عباس رؤية القمر آخر النهار ، وروى أَنه رأَى الكوكب الذى يعبدونه فى وسط السماء ، وهذا تفصيل لقوله نرى إِبراهيم ، فالمراد بالملكوت ما فصل بهذه الآية ، والعطف على نرى بدليل على مدلوله ، قيل : هذا أحسن ﴿ رَأَى كَوْكَباً ﴾ جواب لما ، أَو حال من الهاء والجواب هو قوله ﴿ قَالَ هَذَا رَبِّى ﴾ وعلى اتلأَول يكون هذا جواب سؤال ، كأَنه قيل ما صنع حين رأَى كوكباً ، فقال : قال لقومه هذا الكوكب ربى فى زعمكم ، أَو قاله على الاستدلال ، أَو يقولون : هذا ربى ، وكذا فيما بعد ، وهو الزهرة بضم الزاى وفتح الهاء فى السماء الثالثة ، أَو المشترى فى السماء السادسة كان قومه يعبدون النجوم ومنها الشمس والقمر ، وكانوا ينزرون فى علم النجوم ويعبدونها ليتوصلوا بها إلى مقصودهم ، أَو يعبدون الأَصنام ليتوصلوا بها إِلى النجوم ، أَو بالنجوم إِلى الملائكة وبالملائكة إِلى مقصودهم ، وأَنكروا الله ، وجعلوا الأَفلاك والنجوم قدماءَ لا أَول لها ولا آخرن فاتخذوا لكل نجم مخصوص صنما وجعلوا صنم الشمس من ذهب وصنم القمر من فضة . ومن الكفرة من يثبت الله ويقول أَنه فوض أَمر الأَرض إِلى الكواكب فعبدوها وقال إِنها تعبد الله ، وأَهل الهند والسند يثبتون الله إِلا أَنهم مجسمة ، والملائكة وصنما لكل ملك مخصوص يعبدونه ليتوصلوا إِلى الملك والملك يعبد الله ، والله فوض لكل ملك أمراً ، والمذهب أَن الأَنبياءَ عليهم السلام لا يعصون الله بصغيرة ولا كبيرة قبل البعثة ولا بعدها ، بعد البلوغ ولا قبله ، فإِنما قال : هذا ربى ، على سبيل الوضع أَعنى على فرض كلام الخصم ليرجع عليه بعد استفراغ ما عنده بالرد فيكون أَبلغ فى الاحتجاج وأَدعى إِلى الإِذعان ، كما قال هذا ربى محاكاة لما عندهم ، ورجع عليهم بقوله : لا أَطلب إِلا الله ، وقد مدحه الله بهذه المحاجة فى قوله : ﴿ وتلك حجتنا ﴾ إِلخ . وكان محاجاً لقومه إِذ راهق ، أَو قاله على وجه الاستدلال لنفسه حال الصغر ، كأَنه يخاصم إِنساناً ، والفاء تدل على الأَول وأَنه قاله بعد أَن كان من الموقنين ، ويدل له أَيضاً قوله تعالى
﴿ وتلك حجتنا آتيناها ﴾ إِلخ . . ولم يقل آتيناها إِبراهيم على نفسه وقد يقال : الأَنبياء موقنون من صغرهم ، قبل المراهقة ، وأَن ما احتج به علىنفسه حجة على قومه فى نفس الأَمر ، وقيل بتقدير همزة الاستفهام ، أَى أَهذا ربى على طريق الإِنكار والتحقير ، كما قدره ابن عباس فى قوله تعالى : ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ وفى قوله تعالى ﴿ وتلك نعمة تمنها على ﴾ وقيل : قال إِبراهيم ذلك استهزاء ، وقيل كان ينازرهم فطلع النجم فقال : هذا ربى ، أَى هذا الرب الذى تعبدون ، وهذا لا يكفى لأَنه يحتاج إِلى ما مر أَيضاً من التأويل بتقدير الاستفهام أَو بغيره ، ووزن كوكب فواعل فالزائدة الواو ، والأُصول الكافان والباء ، وقيل فعفل بزيادة الكاف الثانية تكرير الأُولى ، وفيه أَن الأَصل فى الزيادة الواو لا الكاف ، ولم يقل الله جل وعلا رأَى كوكباً بازغاً لأَنه رأَى الزهرة فى جهة الغرب ليلا ، أَو رأَى المشترى فى أَى موضع من السماء ليلا ، وخص أَحدهما لقوة ضوئه ولتقدير فى زعمكم ، أَو تقولون نظائر ، كقوله تعالى : ﴿ مال هذا الرسول ﴾ ﴿ إن رسولكم ﴾ ﴿ انظر إِلى إِلهك الذى ﴾ إِلخ . . . ﴿ إِنك أَنت العزيز الكريم ﴾ وكقوله ﴿ ربنا تقبل منا ﴾ ، أَى يقولان ﴿ فَلَمَّا ﴾ أَى غاب ﴿ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ لا أحب إِثبات ربوبية الآفلين مطلقاً فى الانتفاع لنقصهم ، فضلا عن أَن أَتخذهم أَرباباً ، أَو لا أحب عبادة الآفلين ، أَو لا أحب ربوبية الآفلين ، أَو كنى بانتفاء الحب عن انتفاء الربوبية والعبادة . الكوكب آفل وكل آفل حادث محتاج إِلى محدث ، وكل ما احتاج إِلى محدث ليس بإِله ، لأَن الإِله هو الموجود الذى تنقطع به سلسلة الاحتياج ، وإِن إِلى ربك النتهى ، والكوكب متحرك وكل متحرك جسم ، وكل جسم مركب وكل مركب حادث ، والكوكب جسم وكل جسم محل للحوادث ، وأَيضاً كل جسم محتاج إِلى حيز فهو ممكن لا واجب ، إِذ الواجب بالذات يستحيل حلوله فى المكان بحدوث المكان ، والكوكب يحتاج فى انبساط ضوئه إِلى عدم سائر ، والمحتاج ممكن والممكن حادث ، وكقولك : المنير آفل ولا شىء من الإِله بآفل ، أَو ربى ليس بآفل فهذا النير ليس بإله أَو ليس بربى ، وقولنا هذا النير آفل قضية شخصية وهى فى حكم الكلية وذلك من الشكل الثانى . ولاإله يستحق العبودية ولا شىءَ من الآفل يستحقها فهذا ليس إِلها ، وليس يراقب الكوكب الليل حتى يغيب لم يفته ملاحظته حتى غاب ، وكذا القمر والشمس رآهما طالعين وغائبين .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٦٥