إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلَّذِینَ یُقَٰتِلُونَ فِی سَبِیلِهِۦ صَفࣰّا كَأَنَّهُم بُنۡیَٰنࣱ مَّرۡصُوصࣱ٤
الرسم الإملائيّ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ
الجزء ٢٨الربع ٢٢٠ صفحة ٥٥١
تفسيرها
قيل: كان المؤمنون يقولون: لو علمنا (لعله) أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا؛ فدلهم الله تعالى على أحب الأعمال إليه، فقال: }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴿ مصطفين ﴾كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4){في تراصهم من غير فرجة؛ والرص: اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه.
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٦٧
ثم وصف المؤمنين فقال : ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً ﴾ أي يفعلون ما يقولون ويتمون على ما يدعون ، وأنتم أيها المنافقون لا تفعلون ما تقولون وتقولون ما لا تفعلون . وهو كقوله تعالى : ﴿ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ أي حيث رأوا الأحكام جرت لهم وعليهم . قال الله : ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ﴾ [ الحجرات : 14 ] أي : أقررنا . أي : فأنتم مقرون غير مؤمنين ، لأن الإيمان والإِسلام لا يكونان إلا لمن استكمل فرائض الله وأوفى بها ولم ينقصها .
وقال مجاهد : إنها نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة الأنصاري . قالوا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت ، فأنزل الله فيهم هذه الآية . وقال ابن رواحة : لا أبرح جيشاً في سبيل الله حتى أموت فقتل في سبيل الله .
قوله عز وجل : ﴿ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ ذكر ثبوتهم في صفهم كأنه بنيان قد رُصَّ بعضه إلى بعض .
ذكروا عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب قال : في التوراة مكتوب : محمد المختار ، لاَ فَظٌّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأَسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يغفر ويعفو . أمته الحامدون ، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد . مناديهم ينادي في جو السماء ، ويتوضأون على أطرافهم ، ويتزرون على أوسطهم ، لهم بالليل دوي كدوي النحل ، صفوفهم في الصلاة والقتال سواء ، مولده بمكة ، وهجرته بطيبة ، وملكه بالشام .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا الأعناق ، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخلل بينكم كأنه الحذَف » .
وتفسير الكلبي في قوله : ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ قال : بلغنا أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال : والله لو نعلم أحب الأعمال إلى الله وأرضاها عنده لعملنا بها . فدلهم الله إلى أحب الأعمال إليه فقال تعالى : ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ فكره ذلك من كرهه . فأنزل الله هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٦٧
﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْنَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قال عبد الله بن سلام قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتذاكرنا لو علمنا أى الأعمال أحب إِلى الله تعالى لعملناه فأنزل الله سبحانه ﴿ سَبَّحَ للهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ فقرأها علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ختمها ، رواه الترمذى . وروى أن المؤمنين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إِلى الله تعالى لعملناه وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا ، فنزل : إن الله يحب الذين يقاتلون ، ونزل هل أدلكم على تجارة . . الخ ، فابتلوا فى أُحُد فولوا مدبرين وكرهوا الموت فنزل لم تقولون ما لا تفعلون .
وقيل لما أخبر الله تعالى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثواب أهل بدر ، قالت الصحابة : ل ، لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أُحُد فعيرهم الله تعالى بهذه الآية . وعن الضحاك أن شباباً من المسلمين يقولون فعلنا فى الغزو كذا ولم يفعلوا ، وقيل كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل وأطعمت ولم يطعم وضربت ولم يضرب . وقيل إِنه قول المنافقين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك وعليه فنداؤهم بيا أيها الذين آمنوا تهكم بهم والمعنى لأى شئ تثبتون لأنفسكم بألسنتكم فعل ما لم تفعلوا من الخير والمعروف والاستفهام توبيخ ، ومدار التوبيخ القول كما هو الظاهر إِذ لم يصدقوا فيه لا على عدم فعلهم لأنهم يذكرون أفعالا غير واجبة عليهم بعينها ولا متعينة الوجوب بأعيانها ، وإِنما الواجب الجهاد كيفما اتفق . وهذا خلاف ما قال بعض ، إِن مدار التوبيخ فى الحقيقة عدم فعلهم وإِنما وجه على قولهم تنبيهاً على تضاعف معصيتهم ببيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط ، بل الوعد أيضاً وقد كانوا يحسبونه معروفاً ولو سلط التوبيخ على الفعل ، فقيل لم لا تفعلون ما تقولون لفهم أن المنكر إِخلاف الوعد والصحيح ما ذكرت وعن إبراهيم النخعى أكره القص لثلاث آيات ، قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون . وقوله تعالى : وما أريد أن أخالفكم إِلى ما أنهاكم عنه ، وقوله تعالى : لم تقولون ما لا تفعلون إِلخ . وينبغى لمن أراد الوعظ بفضل شئ أو غيره أن يعمل به قبل ، لتقبله القلوب ، ولئلا يدخل فى هؤلاء الآيات الثلاث .
قيل لبعض السلف حدثنا فقال : أتأمروننى أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله . ﴿ كَبُرَ ﴾ فيه ضمير مفسر بقوله تعالى ﴿ مَقْتًا ﴾ بالنصب على التمييز والمخصوص بالذم المصدر من قوله تعالى ﴿ عِنْدَ اللهِ أن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ أو هذا فاعل والمخصوص محذوف أى قولكم كذا وكذا والمقت أشد البغض .
وإِذا كان ذلك كبيراً وجبت مجانبته ، فكيف وهو أكبر وأشد وقيل المقت البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها إِنسان .
وقال المبرد رجل ممقوت يبغضه كل أحد ، قيل لبعض السلف حدثنا فسكت . فقيل له حدثنا فقال : وما تأمروننى أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله عز وجل ، وبعد النهى عما يبغض من إِثبات فعل ما لم يثبت ذكر ما هو محبوب عند الله تعالى بقوله ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ ﴾ أعداء الله تعالى ﴿ فِى سبِيلِهِ صَفًّا ﴾ حال أى صافين أنفسهم أو مصفوفين كصفوف الصلاة لا خلل فيها ، وهذا ظاهر فى القتال على الأرجل لكن لا مانع من أن يصطف فارس مع الرجال على فرسه . بل فى كتب الفقه أن السارية ونحوها لا تقطعان الصف فى الصلاة وأيضاً يمكن اصطفاف الفرسان على حدة أو فى جانب والرجال على حدة لا زالت صفوف الإِسلام منصورة وصفوف الكفر مختلة مقهورة ﴿ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرصُوصٌ ﴾ إخبار باللائق وبالشبه لا إِنشاء للتشبيه فصح ان يكون حالا ولو كان إِنشاء لم يصح أن يكون حالا ، وما ذلك إِلا كالتشبيه بالكاف إِلا أنه أقوى من التشبيه بالكاف ، وصاحب الحال الضمير المستتر فى صفا ، إشذ كان بمعنى صافين أو حال ثانية من الذين أو الواو قيل : أو نعت لصفا ، وفيه أنه بمنزلة اسم الفاعل أو المفعول كما رأيت فلا يحسن أن يكون منعوتا ، والمرصوص المعقود بالرصاص ، والمراد المحكم ويقال رصصت البناء ضممت أجزاءه حتى كأَنه قطعة واحدة ، وقيل المراد استواء نياتهم فى الثبات واجتماع الكلمة والإِخلاص .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٦٧