سورة الصف
الجزء الصف · صفحة ٠ثم وصف المؤمنين فقال : ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً ﴾ أي يفعلون ما يقولون ويتمون على ما يدعون ، وأنتم أيها المنافقون لا تفعلون ما تقولون وتقولون ما لا تفعلون . وهو كقوله تعالى : ﴿ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ أي حيث رأوا الأحكام جرت لهم وعليهم . قال الله : ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ﴾ [ الحجرات : 14 ] أي : أقررنا . أي : فأنتم مقرون غير مؤمنين ، لأن الإيمان والإِسلام لا يكونان إلا لمن استكمل فرائض الله وأوفى بها ولم ينقصها .
وقال مجاهد : إنها نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة الأنصاري . قالوا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت ، فأنزل الله فيهم هذه الآية . وقال ابن رواحة : لا أبرح جيشاً في سبيل الله حتى أموت فقتل في سبيل الله .
قوله عز وجل : ﴿ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ ذكر ثبوتهم في صفهم كأنه بنيان قد رُصَّ بعضه إلى بعض .
ذكروا عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب قال : في التوراة مكتوب : محمد المختار ، لاَ فَظٌّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأَسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يغفر ويعفو . أمته الحامدون ، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد . مناديهم ينادي في جو السماء ، ويتوضأون على أطرافهم ، ويتزرون على أوسطهم ، لهم بالليل دوي كدوي النحل ، صفوفهم في الصلاة والقتال سواء ، مولده بمكة ، وهجرته بطيبة ، وملكه بالشام .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا الأعناق ، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخلل بينكم كأنه الحذَف » .
وتفسير الكلبي في قوله : ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ قال : بلغنا أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال : والله لو نعلم أحب الأعمال إلى الله وأرضاها عنده لعملنا بها . فدلهم الله إلى أحب الأعمال إليه فقال تعالى : ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ فكره ذلك من كرهه . فأنزل الله هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ .