إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ١٨
الرسم الإملائيّ
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
الجزء ٢٩الربع ٢٣٠ صفحة ٥٧٥
تفسيرها
}إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)﴿ تعليل للوعيد، أو بيان للعناد؛ والمعنى: فكر فيما يخيل طعنا في القرآن، وقدر في نفسه ما يقول فيه، ﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴿ تعجب من تقديره استهزاء به، ﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)﴿ تكرير للمبالغة ﴾ ثُمَّ نَظَرَ (21)﴿ قيل: في أمر القرآن مرة بعد أخرى، ﴾ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)﴿ قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا، ولم يدر ما يقول، ﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ﴿ عن الحق، ﴾ وَاسْتَكْبَرَ (23)﴿ عن اتباعه، ﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)﴿ يروى ويتعلم،﴾ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴿ لا تبقي على شيء فيها ولا تدعه حتى يهلك، لأن طبعها الإذهاب لما يلقى فيها، إلا من أدخل للتعذيب، فإنه مخلد فيها، ﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴿ ملكا، أو صنفا من الملائكة يلون أمرها. ﴾وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴿ ليخالفوا جنس المعذبين، فلا يرقوا لهم، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا لله، ﴾ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا{ وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر عن المؤثر تنبيها على أنه لا ينفك منه؛ وافتتانهم به: استقلالهم له، واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين.
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥١٣
قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ أي : فلعن كيف قدر . ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾ أي : كلح ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَآ ﴾ أي : القرآن ﴿ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤثَرُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ .
تفسير الكلبي أن الوليد بن المغيرة قال لقريش : إن أمر هذا الرجل ، يعني النبي عليه السلام قد فشا ، وقد حضر الموسم . وإن الناس سيسألونكم عنه فما تردون؟ قالوا : نقول : إنه مجنون . قال : إذن والله يستنطقونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم . قالوا : فلنخبرهم أنه كاهن [ فقال : إذن والله يلقونه فيخبرهم بما لا يخبرهم به الكاهن . قالوا : فنخبرهم أنه شاعر ] . قال : فإنهم يعرفون الشعر ويروونه ، فلا يسمعون شيئاَ يشبه الشعر .
ثم انصرف إلى بيته فقالت قريش : صبا والله الوليد ، وأيم الله لئن صبا الوليد لتصبونّ قريش كلها . فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه . فانطلق أبو جهل فجلس إليه وهو كهيئة الحزين . فقال له : ما يحزنك يا ابن آخي . فقال : وما لي لا أحزن ، وهذه قريش تجمع لك نفقة ليعينوك بها على كبرك وزمانتك . قال : أو لست أكثر منهم مَالاً وولداً؟ قال : فإنهم يقولون : إنك قلت الذي قلت لتصيب من فضول طعام محمد وأصحابه . فقال : والله ما يشبعون من الطعام فأيُّ فضل يكون عندهم . ولكني أكثر حديث نفسي فإذا الذي يقول سحر وقول بشر .
ذكروا عن سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الفتنة تلقح بالنجوى ، وتولد بالشكوى ، فلا توقظوها إذا رقدت ، ولا تثيروها إذا هي اجتمّت . قال : الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها حتى يأذن الله لها فيها . فإذا أذن الله لها فويل لمن أخذ بخطامها . من طلب الفتنة ذهب بقاؤه ، وقل نماؤه ، وكانت النار مأواه .
ألا ففروا من الفتنة كما تفر الوحوش بأولادها . ألا فالحذر الحذر ، فإنه لن ينجو من الفتنة إلا من صانع الذل ، ولأن يقال لك ذليل ضعيف خير من أن يقال لك إنك من أصحاب السعير .
قال : فاجتمع إليه قومه فقالوا يا أبا المغيرة ، كيف يكون قوله قولَ بشر وسحراً؟ قال : أذكركم الله ، هل تعلمون أنه فرق بين فلانة وزوجها ، وبين فلان وأبيه ، وبين فلان وأخيه ، وبين فلان ، مولى بني فلان ، ومواليه ، يعني من أسلم واتبع النبي عليه السلام . فقالوا : اللهم نعم ، قد فعل ذلك . قال : فهو ساحر .
قال مجاهد : وكان ذلك في دار الندوة . قال الله : ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أََدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤثَرُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ يعني عداساً ، غلام عتبة . كقوله عز وجل : ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ [ النحل : 103 ] ؛ عدّاس في تفسير الحسن .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥١٣
﴿ كَلاَّ ﴾ لا تطمع وكأَنه قيل لم قطع رجاؤه فقال تعالى : ﴿ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ كمعانداً لأَنه التوحيد وآيات القرآن والعناد يمنع الزيادة ، وقد قيل إِنه علم بأن الحق مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وجحد بلسانه فما زال بعد نزول الاية كما قال مجاهد فى نقص من ماله وولده حتى هلك فذلك جزاؤه فى الدنيا وأما الآخرة ففى قوله تعالى :
﴿ سأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ سأَجعله غاشياً عقبة شاقة المصعد كثيرة الارتفاع وأكلفه صعودها . فعن الكلبى الصعود صخرة يصعدها فى أربعين خريفاً لا ينفس له يجيد من قدامه بسلاسل ويضرب من خلفه يمقامع ، وقال أبو سعيد الخدرى ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوى فيه كذلك ابداً » ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - « يكلف أن يصعد عقبة فى النار كلما وضع يده ذابت فإِذا رفعها عادت وإِذا وضع قدمه ذابت وإِذا رفعها عادت وكأَنه قيل لم هذا الوعيد » فأَجاب بقوله تعالى :
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴾ وفيه أنه لا عاقل يقول لهم هذا العذاب بعد أن سمع أنه كان لآياتنا عنيداً فالتحقيق أن هذا بيان لعناده ، وقيل بدل من الجملة قبله بدل بعض لأَن هذه بعض من العناد ، والمراد فكر فى نفسه ما يقول فى القرآن ومحمد وقدر فى نفسه ما يقول :
﴿ فَقُتِلَ ﴾ بسبب التفكر والتقدير المذكورين وذلك ذم على ظاهره ، أى لعن كقوله تعالى : ﴿ قتل أصحاب الأُخدود ﴾ وقوله عز وجل : ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ وقيل عذب . ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ استفهام تعجيب من موافقته ما تقصد قريش ، أو ظاهره ذم ، والمراد مدح تهكماً نحو قاتله الله ما أشجعه وأخزاه ما أشعره ، وأصل هذا الباب أن الإِنسان إِذا بلغ فى الوصف مبلغاً عظيماً يستحق أنيدعو عليه حاسده بالسوء أو حكاية لما قالته قريش عند سماعهم كلام الوليد فى شأْن القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله إِنه سحر يؤثر جاء إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأ عليه القرآن فرق له وقال له أبو جهل يا عم إِن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً فإِنك أتيت محمداً تريد أن نصيب مما عنده فقال قد علموا أنى أكثرهم مالاً ، قال فقل قولاً يعلمون أنك كاره له فقال والله ما فيكم أعلم بشعر الإِنس والجن أو الرجز منى وما يقوله محمد لا يشبه ذلك وإِن له لحلاوة وطلاوة ، مثمر الأَعلى معدق الأسفل يعلو سواه ويحطمه وذهب إِلى منزله ولم يرجع إِليهم فقال لا يرضون عنك حتى تقول فيه ، فقال دعنى حتى أفكر ففكر فقال ما هو إِلا سحر يؤثر فعجبوا ، ويروى أنه لما نزل حم إِلى المصير قرأها النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المسجد مصلياً ولما علم أن الوليد يسمع أعادها فذهب إِلى مجلس قومه بنى مخزوم فقال سمعت من محمد كلاماً ليس من كلام الإِنس أو الجن وإِن له لحلاوة إِلى آخر ما مر فقال قريش صبأَ الوليد والله لتصبأَن قريش كلها .
فقال أبوجهل أكفيكموه فجلس إِليه حزيناً فحرك منه ما سكن بأَن قعد متحزناً فقال له الوليد : مالك يا ابن أخى حزيناً؟ فقال : مالى لا حزن وقد صبأَت إِلى محمد وابنأبى قحافة فى آخر عمرك لتصيب من فضله طعامهما وهكذا عند قريش فقال قد علموا أنى أكثرهم مالاً وهل يشبع محمد وابن أبى قحافة حتى تبقى لهما فضلة فأَتاهم الوليد فقال : تقولون محمد مجنون فهل رأيتموه يخنق وتقولون كاهن فهل رأيتموه يتكهن وتقولون إِنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً وتزعمون أنه كاذب فهل جربتم عليه كذباً قط . وفى كل ذلك يقولون اللهم لا وكانوا يسمونه قبل النبوة الأَمين لصدقه . قالوا فما هو ففكر . فقال : ما هو إِلا ساحر يأَثر السحر من مسيلمة وأهل بابل أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فتفرقوا معجبين بهذا الكلام منه وليس معتقداً أنه سحر لكن أرضاهم بذلك كما قال الله عز وجل فجحدوها واستبقنتها أنفسهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥١٣