سورة المدثر · الآية ٢٢ من ٥٦

‹ السورة السابقة
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ٢٢
الرسم الإملائيّ

ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ

الجزء ٢٩الربع ٢٣٠ صفحة ٥٧٦

تفسيرها

[سورة المدثر — آية 22]

}إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)﴿ تعليل للوعيد، أو بيان للعناد؛ والمعنى: فكر فيما يخيل طعنا في القرآن، وقدر في نفسه ما يقول فيه، ﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴿ تعجب من تقديره استهزاء به، ﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)﴿ تكرير للمبالغة ﴾ ثُمَّ نَظَرَ (21)﴿ قيل: في أمر القرآن مرة بعد أخرى، ﴾ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)﴿ قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا، ولم يدر ما يقول، ﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ﴿ عن الحق، ﴾ وَاسْتَكْبَرَ (23)﴿ عن اتباعه، ﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)﴿ يروى ويتعلم،﴾ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴿ لا تبقي على شيء فيها ولا تدعه حتى يهلك، لأن طبعها الإذهاب لما يلقى فيها، إلا من أدخل للتعذيب، فإنه مخلد فيها، ﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴿ ملكا، أو صنفا من الملائكة يلون أمرها. ﴾وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴿ ليخالفوا جنس المعذبين، فلا يرقوا لهم، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا لله، ﴾ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا{ وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر عن المؤثر تنبيها على أنه لا ينفك منه؛ وافتتانهم به: استقلالهم له، واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين.

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥١٧

[سورة المدثر — آية 22]

قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ أي : فلعن كيف قدر . ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾ أي : كلح ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَآ ﴾ أي : القرآن ﴿ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤثَرُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ .

تفسير الكلبي أن الوليد بن المغيرة قال لقريش : إن أمر هذا الرجل ، يعني النبي عليه السلام قد فشا ، وقد حضر الموسم . وإن الناس سيسألونكم عنه فما تردون؟ قالوا : نقول : إنه مجنون . قال : إذن والله يستنطقونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم . قالوا : فلنخبرهم أنه كاهن [ فقال : إذن والله يلقونه فيخبرهم بما لا يخبرهم به الكاهن . قالوا : فنخبرهم أنه شاعر ] . قال : فإنهم يعرفون الشعر ويروونه ، فلا يسمعون شيئاَ يشبه الشعر .

ثم انصرف إلى بيته فقالت قريش : صبا والله الوليد ، وأيم الله لئن صبا الوليد لتصبونّ قريش كلها . فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه . فانطلق أبو جهل فجلس إليه وهو كهيئة الحزين . فقال له : ما يحزنك يا ابن آخي . فقال : وما لي لا أحزن ، وهذه قريش تجمع لك نفقة ليعينوك بها على كبرك وزمانتك . قال : أو لست أكثر منهم مَالاً وولداً؟ قال : فإنهم يقولون : إنك قلت الذي قلت لتصيب من فضول طعام محمد وأصحابه . فقال : والله ما يشبعون من الطعام فأيُّ فضل يكون عندهم . ولكني أكثر حديث نفسي فإذا الذي يقول سحر وقول بشر .

ذكروا عن سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الفتنة تلقح بالنجوى ، وتولد بالشكوى ، فلا توقظوها إذا رقدت ، ولا تثيروها إذا هي اجتمّت . قال : الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها حتى يأذن الله لها فيها . فإذا أذن الله لها فويل لمن أخذ بخطامها . من طلب الفتنة ذهب بقاؤه ، وقل نماؤه ، وكانت النار مأواه .

ألا ففروا من الفتنة كما تفر الوحوش بأولادها . ألا فالحذر الحذر ، فإنه لن ينجو من الفتنة إلا من صانع الذل ، ولأن يقال لك ذليل ضعيف خير من أن يقال لك إنك من أصحاب السعير .

قال : فاجتمع إليه قومه فقالوا يا أبا المغيرة ، كيف يكون قوله قولَ بشر وسحراً؟ قال : أذكركم الله ، هل تعلمون أنه فرق بين فلانة وزوجها ، وبين فلان وأبيه ، وبين فلان وأخيه ، وبين فلان ، مولى بني فلان ، ومواليه ، يعني من أسلم واتبع النبي عليه السلام . فقالوا : اللهم نعم ، قد فعل ذلك . قال : فهو ساحر .

قال مجاهد : وكان ذلك في دار الندوة . قال الله : ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أََدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤثَرُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ يعني عداساً ، غلام عتبة . كقوله عز وجل : ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ [ النحل : 103 ] ؛ عدّاس في تفسير الحسن .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥١٧

[سورة المدثر — آية 22]

﴿ ثُمَّ عَبَسَ ﴾ قطب وجهه إِذ لم يجد مطعناً أو قطب فى أوجه القوم أو فى وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿ وَبَسَرَ ﴾ تعجل بالعبس قبل أوانه ، والبسر الاستعجال بالشئ قبل وقته ، وقيل اشتد عبسه .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥١٧