سورة التوبة · الآية ١١٧ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِیِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِینَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوهُ فِی سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ یَزِیغُ قُلُوبُ فَرِیقࣲ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَیۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ١١٧
الرسم الإملائيّ

لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

الجزء ١١الربع ٨٢ صفحة ٢٠٥

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 117]

﴿ لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيّ ﴾ قيل : تاب عليه بإذنه للمنافقين في التخلف عنه كقوله : ( عفا الله عنك ) ؛ ﴿ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ ﴾ فيه بعث للمؤمنين على التوبة ، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار ، حتى النبي والمهاجرين والأنصار ، ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ قيل : في غزوة تبوك ؛ والعسرة : الشدَّة ، وكانت عليهم عُسرة في الظَّهرِ والزاد والماء ، ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ ﴾ أي : يميل ﴿ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ عن الثبات على الإيمان ؛ أو عن اتباع الرسول في الغزوة والخروج معه ؛ ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ تكرير للتأكيد ؛ ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٥٢

[سورة التوبة — آية 117]

قوله : ﴿ لَقَد تّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ ﴾ يعني حين العسرة ، وهي غزوة تبوك .

قال بعضهم : هم الذين اتبعوا رسول الله في غزوة تبوك في لَهَبان الحرِّ على ما يعلم الله من الجهد . أصابهم منها جهد شديد ، حتى لقد بلغنا أن الرجلين كانا يشقّان التمرة بينهما . وكان النفر يتداولون التمرة بينهم ، يمصّها هذا ، ثم يشرب عليها الماء ، ثم يمصّها الآخر .

ذكروا أن عثمان بن عفان حمل في جيش العسرة على ألف بعير إلا خمسين ، فكمّلها خيلاً .

قوله : ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ قال الحسن : تزيغ عن الجهاد فينصرفون؛ فعصمهم الله من ذلك ، فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم .

قال : ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رِّحِيمٌ ﴾ . قال بعضهم : الثلاثة الذين خلِّفوا هلال بن أمية ، ومرارة بن ربيعة ، وكعب بن مالك ، وهو تفسير مجاهد والعامّة . قال : أما أحدهم فأوثق نفسه إلى سارية وقال : لا أطلقها [ ولا أطلق نفسي ] ، حتى يطلقني نبي الله [ فقال رسول الله : « والله لا أطلقه حتى يطلقه ربه إن شاء » ] . وأما الآخر فعمد إلى حائطه الذي كان تخلف عليه وهو مونع [ فجعله صدقة في سبيل الله ] . وأما الآخر فركب المفاوز حتى لحق نبي الله ورجلاه تسيلان دماً .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٥٢

[سورة التوبة — آية 117]

﴿ إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَواتِ والأَرْضِ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَّلىٍّ وَّلا نَصِيرٍ ﴾ فتبرءُوا من كل ما يخالفه فهو وليكم بالحفظ ونصيركم بدفع الضر وما لككم ورازقكم ومالك حياتكم وموتكم ، فانقطعوا ولا تتعلق قلوبكم إِلى سواه ، ويجوز أَن يراد بالسموات جميع العلويات حتى العرش والكرسى وبالأَرض جميع الأَرضين وما تحتهن :

﴿ لَّقَدْ تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالمهَاجِرِين وَالأَنْصَارِ ﴾ أَقام توبته عليهم فى غزوة العسرة إِذ لا ذنب لهم فيها ، أَو قبلها منهم أَو وفقهم إِليها فى مطلق أَحوالهم لا فى خصوص هذه الغزوة ، ومن ذلك إِذنه فى التخلف ، فيعد ذنبا عليه صلى الله عليه وسلم : عفا الله عنك لم أَذنت لهم ، وأَسند إِليهم لأَنهم تبعوه فيه أَو حكم على المجموع وذكر تبركاً لقوله تعالى : فإِن لله خمسه ، وأَيضاً يعد ترك الأَولى ذنباً فى حق الأَخيار ، ولا يخلو الإِنسان من زلة ، ولما كثر الافتضاح فى السورة ظن المسلمون أَن لا يبقى أَحد إِلا نزل فيه قرآن إِلى نزلت هذه الآية فى صبرهم على الشدائد المكفرة لزلاتهم ، وسميت سورة التوبة لهذه الآية : توبوا إِلى الله جميعاً ، وفى الحديث أَنه ليغان على قلبى فأَستغفر الله كل يوم مائة مرة ، فبنحو هذا تكون التوبة على ظاهرها من قبولها أَو الآية إِنشاء لإِظهار فضلها ولفظها إِخبار . وقد زعم قوم أَن ذلك كلام للتبرك كما قيل فى : فإِن لله خمسه ، إِذ ضم توبتهم إِلى توبته صلى الله عليه وسلم تعظيماً لهم ، وقد يكون ذنبهم ميلهم إِلى الراحة من شدة الحر وشدة السفر والخوف من قتال الروم أَو الاهتمام بالانصراف ولكن تصمموا على الثبات . ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ شدة وقحط حتى إِن الاثنين يقتسمان التمرة ويعتقب العشرة على بعير مع شدة الحر ، وهم سبعون أَلفا بين راكب وماش من المهاجرين والأَنصار وسائِر القبائل ، وذلك مع قلة الماءِ . ويخرج النفر وما معهم إِلا تمرات مسوسة وشعير متغير ويتعاقبون على لوك تمرة ويشربون عليه الماء حتى تبقى النبوة وأَصابهم عطش فى منزل حتى ظنوا أَن رقابهم ستقطع ، وكان الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه يشربه ويجعل باقيه فى كبده فقال الصديق رضى الله عنه : يا رسول الله إِن الله عز وجل قد عودك فى الدعاءِ خيراً فادع الله ، قال : « أَتحب ذلك؟ » قال : نعم ، فرفع يديه ولم ترجعا حتى غامت السماء فأَمطرت وملأُوا أَوعيتهم ولم يجدوها جاوزت العسكر ، وفى هذه الغزوة دعا بتمر قليل وجعله فى وعاء وبرك فيه فأَخذ أَهل العسكر زادهم وبقى كما هو ، ونبع الماءُ من بين أَصابعه إِذ وضعها فى ماءِ إِناء حتى شربوا وسقوا دوابهم وحملوا ، وهذا مبسوط فى كتب المغازى كمواهب القسطلانى ودلائل الثعالبى وشرحى على نونية المديح والسهيلى والقاضى عياض ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ﴾ ما مصدرية والمصدر من فعل من معنى كاد لأَنها جامدة ، وقيل من لفظها على أَنها لها مصدر واسمِ كاد ضمير الشأْن أَو قلوب وعليه ففى يزيغ ضمير قلوب ، وتوالى الأَفعال دليل فلا لبس ، أَو اسمه ضمير القوم المدلول عليه بالمهاجرين والأَنصار ، والمشهور فى خبر أَفعال المقاربة أَن يكون فعلياً مضارعيا رافعاً لضمير اسمها ، وهذا الزيغ اهتمام بعض بالانصراف حين وقعت الشدة ، لكن ندموا أَو خطور بالبال ، وحسبوا خطوره ذنبا للميل إِليه ، أَو المراد عظم الوسوسة أَو الشرف على الردة ممن هو حديث عهد بالإِسلام أَو ضعيف الإِيمان ، من ذلك أَن يوسوس لهم الشيطان أَنه لو كان نبياً لم يقع فى هذه الشدة .

﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ أَعاد ذكر التوبة لبيان أَن التوبة عليهم من أَجل ما كابدوا من العسرة وليس تكريراً محضاً لأَنه عطف على كاد لا على تاب الأَول ، وإِن أُريد أَنه تاب بالثبات على المشقة ، أَو من كونهم كادوا يزيغون فلا تأْكيد ، وكذا قيل : ذكر التوبة أَولا قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم وتفضلا ، ثم ذكر الذنب وأَردفه التوبة مرة أُخرى تعظيماً لهم وتصريحاً بالتوبة عن ذنبهم وأَتبعه بقوله ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ تأْكيداً لذلك ، وشهر أَن الرأْفة أَخص من الرحمة فكيف قدمت؟ فيجاب بأَن الرأْفة هنا العمل فى إِزالة الضر والرحمة الإِنعام ، أَو أُريد بالرأْفة ضد القسوة ونفيها ، وبالرحمة إِيقاع الإِنعام ، أَو الرأْفة عدم تحمل ما لا يطاق ، أُو أُريد بالرحمة تأْكيد معناها الموجود فى الرأْفة فكأَنها تتمة لها فكأَنها ليست شيئاً زائِداً عليها انتقل منها إِليه فحينئِذ يقال إِذاً يجوز لنا زيد فصحيح متكلم ، قلنا : نعم إِذا كان المقام لتأْكيد ، ولا يجزىء أَن يقال قدم للفاصلة .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٥٢