یَسۡءَلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُوا۟ ذَاتَ بَیۡنِكُمۡۖ وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ١
الرسم الإملائيّ
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الجزء ٩الربع ٧١ صفحة ١٧٧
تفسيرها
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ النفل : الغنيمة ، لأنها من فضل الله وعطائه ، والأنفال : الغنائم ، سئل عن قسمها ، فقال : إن حكمها مختص بالله ورسوله ، يأمر الله بقسمتها رسوله على ما تقضيه حكمته ، ﴿ فَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ في الاختلاف والتخاصم ، وكونوا متآخين في الله ، ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ أحوال بينكم ، يعني : ما بينكم من الأحوال ، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق . وقال الزجاج : معنى (( ذات بينكم )) حقيقة وصلكم ، والبين الوصل ، أي : فاتقوا الله ، وكونوا مجتمعين على أمر الله ورسوله به ، ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ فإن الإيمان يقتضي ذلك ، لأن من اختل منه الإيمان الحقيقي لا تتأتى منه النيات الخالصة ، ولا الأعمال الصالحة ، ولا الأقوال الصادقة . يقول : ليس المؤمن الذي (لعله) كذب الله ورسوله ، إنما المؤمن الصادق ، وعلامة صدقه كما قال :
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ صفة كاملي الإيمان ، ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فزعت لذكره استعظاما له ، وإذا خوف بالله انقاد خوفا من عقابه ، ورجاءً لثوابه ، ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ ﴾ القرآن وتأويله ، ﴿ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ازدادوا بها يقينا واطمئنا نية ، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه ، وأثبت لقدمه ، أو زادتهم إيمانا بتلك الآيات ، لأنهم لم يقفوا عليها بعد ، ولمعرفتهم لأحكامها زيادة إيمان مع إيمانهم . ويروى عن عمر بن حبيب أنه قال فكانت له صحة [كذا] : (( إن للإيمان زيادة ونقصان )) ، وقيل : فما زيادته ؟ قال : (( إذا كرنا الله وحمدناه ، فذلك زيادته ، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه )) . وقيل : كتب عمر بن عبدا لعزيز إلى عدي بن عدي : (( إن الإيمان فرائض وشرائع ، وحدود وسنن ، فمن استكملها استكمل الإيمان )) ، ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ يعتمدون ؛ ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم ، لا يخشون ولا يرجون إلا ربهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٦١
تفسير سورة الأنفال
وهي مدنية كلها .
﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قوله : ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ ﴾ والأنفال الغنائم .
﴿ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ .
قال الحسن : كانت السرية تسري ، فينفلهم الرسول ما شاء بعد الخُمْس .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع ، وفي الرجعة الثلث؛ فقيل لبعضهم : لِمَ كان يجعل في الرجعة أكثر؟ قال : لأنهم إذا رجعوا كانوا أشد لخوفهم .
ذكروا أنا أبا إدريس [ قال ] : إن الناس كانوا معسكرين؛ فأتاهم أبو عبيدة بْنُ الجراح حتى بلغ حبيب بن مسلمة أن علجا من الروم يقال له بن توجه نحو أرمينية؛ فطلبه فأدركه ، فقتله وأخذ سلبه . فوجد معه وقر خمسة أبغال ديباج ولؤلؤ من أصناف المتاع . فلما رجع قال أبو عبيدة : أرنا ما جئت به . فقال : إنما هو ولي ، وأنا قتله ، ولي سلبه . فقال له أبو عبيدة : ليس كذلك ، إنما لك ما أعطيتك منه وطابت به نفسي . فقال : أناشدك الله أن تظلمني وأن تأخذ مني ما أعطاني الله ، حتى ارتفعت أصواتهما . فسمعهما معاذ بن جبل ، فجاء فقال : يا حبيب بن مسلمة ، لا تسأل ما ليس لك . فقال حبيب : أليس يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قتل قتيلاً فله سلبه؟ » فقال : إنما قال ذلك في غزوة واحدة عام حُنين ، ولم يقله لأبد .
وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ذلك إلى الإِمام ، إن شاء أعطى وإن شاء منع » وهو على ما يرى الإِمام . فأخذه منه أبو عبيدة فخمّسه ، ثم أعطاه الخمس بعد الخمس . فبلغ ما أعطي عشرة آلاف .
ذكروا عن الحسن أنه قال : ما نفل الإِمام فهو جائز .
ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال : لا نفل بعد رسول الله . وقال سعيد بن المسيب : إنما ينفل الإِمام في الخمس . معنى قوله : إن النبي كان ينفل الخمس من بعد الخمس ، ولا يُنفل بعده إلا في الخمس .
ذكروا عن ابن عمر أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فبلغت سهامهم اثني عشر بعيراً ، قال : ونفّل كل إنسان منا بعيراً سوى ذلك .
ذكروا عن الحسن أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم زماماً من شعر قبل أن تقسم الغنيمة ، فقال : « سألتني زماماً من نار ، فوالله ما كان لك أن تسألينه ، وما كان لي أن أعطيكه ، ولو أعطيتكه لأعطيتك به زماماً من نار »
وأما قوله : ﴿ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ فيقول : ذلك كله لله ، وجعل حكمه إلى رسول الله .
قوله : ﴿ فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ .
قال الكلبي : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما صافّ المشركين يوم بدر ، قال ليحرض الناس على القتال :
« إن الله وعدني أن يفتح لي بدراً ، وأن يغنمني عسكرهم ، فمن قتل قتيلاً فله كذا وكذا إن شاء الله من غنيمتهم ، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا إن شاء الله » فلما تواقفوا ألقى الله في قلوب المشركين الرعب ، فانهزموا ، واتبعهم سرعان من الناس ، فقتلوا سبعين رجلاً ، وأسروا سبعين ، وغنموا العسكر وما فيه . وأقام وجوه الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصافّه ، فلم يشذ عنه منهم أحد .
ثم قام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بن بني سلمة ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنك وعدت من قتل قتيلاً أو أسر أسيراً من غنيمة القوم ، الذي وعدتهم ، وإنا قد قتلنا سبعين ، وأسرنا سبعين . ثم قام سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله ، إنه ما منعنا أن نطلب كما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ، ولا جبن عن العدو ، ولكنا خفنا أن نعري صفك ، فتعطف علينا خيل المشركين فأعرض عنهما رسول الله . ثم قال أبو اليسر مثل كلامه الأول . وعاد سعد فتكلم مثل كلامه الأول وقال : يا رسول الله ، الأسرى والقتلى كثير ، والغنيمة قليلة ، وإن تعطِ هؤلاء الذي ذكرت لهم لم يبقَ لسائر أصحابك كبير شيء ، فنزلت هذه الآية : ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ . . . ﴾ إلى آخر الآية .
ذكروا عن الكلبي أنه قال : كان النبي وعد الأنصار المغنم ، فتكلَّم فيه المهاجرين فأنزل الله هذه الآية وقال : ﴿ فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار .
ذكر بعضهم قال : كان نبي الله ينفل الرجل من المؤمنين سلَب الرجل من الكفار إذا ما قتله ، فأمرهم الله أن يردّ بعضُهم على بعض فقال : ﴿ فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ أي : لِيَرُدَّ بعضكم على بعض .
قال : ﴿ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٦١
اختلف المسلمون فى غنائم بدر ، أَى وهى قليلة ، فقال الشبان : هى لنا لأَنا باشرنا القتال ، وقال الشيوخ : كنا ردءا أَى عونا لكم تحت الرايات لو انكشفتم لفئتم - أَى رجعتم - إِلينا ، فهى بيننا وبينكم ، واحتار : أَيقسمها بين أَهله المهاجرين أَم الأَنصار ، فنزل قوله تعالى : ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * يَسْأَلُونَك ﴾ أَى الصحابة المعروفون فى تلك القصة ﴿ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ والسؤال سؤال استفهام ، لأَن الشبان والشيوخ مع تنازعهم لم يخلوا عن استفهام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل روى أَنهم لما اختلفوا قالوا : يا رسول الله لمن هى؟ فنزل إِنها لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد روى هذا أَحمد وابن حبان والحاكم عن عبادة بن الصامت أَنهم قالوا : لمن الحكم فيها أَللمهاجرين أَم للأَنصار؟ أَم لهم جميعا؟ ويجوز أَن يكون سؤال استعطاءُ وعليه فعن صلة أَو بمعنى من التبعيضية ، والأَصل عدم الزيادة ، ويناسب الزيادة قراءَة ابن مسعود وسعد ابن أَبى وقاص ، وعلى بن الحسين وجماعة من أَهل البيت بإِسقاط عن ونصب الأَنفال . قلنا : قراءَة إِثباتها هى المشهورة ، وقراءَة الجمهور فيرد إِليها قراءَة الاسقاط والنصب بأَن نقول : النصب على نزع الجار أَى عن الأَنفال ، وقراءَة الجمهور هى المتواترة ، والمناسبة لقوله تعالى : لله والرسول يقول الشبان : أَعطنا الأَنفال ، ويقول الشيوخ : أَعطنا بعضها وهو النصف ، ويقول سعد بن أَبى وقاص : يا رسول الله قتل سعيد ابن العاص أَخى عميراً فقتلته فأَخذت سيفه هذا فأَعطنيه ، فقال صلى الله عليه وسلم : « ليس لى ولا لك فاطرحه فى القبض » - بفتحتين - أَى فى المقبوض من الغنيمة ، وروى أَنه رجع فسأَله السيف أَيضا مرة أُخرى فشد عليه ونهره وقال : اطرحه فى القبض ، قال : فطرحته وبى ما لا يعلمه إِلا الله من قتل أَخى وأَخذ سلبى ، فما جاوزت إِلا قليلا حتى نزلت سورة الأَنفال ، ونادانى من ورائى مناد : نزل قرآ ، . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سأَلتنى السيف وليس لى ، وأَنه قد صار لى فاذهب فخذه » ، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم وعدهم أَن يعطيهم ما سلبوا فسارع الشبان فقتلوا سبعين وأَسروا سبعين ، أَخرجه أَبو داود والنسائى والحاكم ، وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما ، ولما نزلت الآية قسمها صلى الله عليه وسلم بينهم سواء ، رواه الحاكم ، فذلك هو قوله تعالى ﴿ أَنما غنمتم من شئٍ ﴾ الآية . . لا كما قيل أَنه غيره ثم نسخ به ، وهذا هو الصحيح ، لا ما روى عن سعيد بن جبير أَن السيف وجده سعد بن أَبي وقاص ، وأَنصارى فتنازعا فيه فنزلت الآية .
ولعل هذا سيف آخر نزلت الآية فيهما . . وإِذا قال الإِمام : من سلب كافرا فله سلبه ، أَو وعده لم يكن له الرجوع ، وإِنما رجع النبى صلى الله عليه وسلم للوحى . والأَنفال جمع نفل - بفتحتين - كفرس وأَفراس وسبب و أَسباب ، والنفل الزيادة - بفتحتين - أَو بسكون الفاءِ ، سميت الغنائم بذلك ، لأَنها زياجة لهذه الأُمة ، وفضل على غيرها .
ومنه النافلة فى الصلاة وغيرها لأَنها زيادة على الفريضة قال الله جل وعلا ﴿ ووهبنا له إِسحاق ويعقوب نافلة ﴾ ، وكذلك ما يعطيه الإِمام مقتحماً خطراً زيادة على سهمه ، وذات بينكم ، الحالة صاحبة بينكم ، والبين بمعنى الفراق أَو الوصل ، أَو ظرف مجرور بالإِضافة ، أَى أَحوالا ذات افتراقكم ، أَو ذات وصلكم ، أَو ذات الكمال المتصل بكم ، وقال الزجاج : ذات بمعنى حقيقة الشئِ ، كما نستعمله فى علم الكلام ، وهذا الضعف من الزجاج ، إِذا لم يثبت فى اللغة ، فهى الحالة التى بينكم هكذا مجملة ، اجعلوها صالحة بالود وترك النزاع والتساب والغلول والخلاف المؤدى إِلى شق العصا ، والمساعدة والعدل والإِحسان . قالوا : قد أَكلنا وأَنفقنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ليرد بعض إِلى بعض . أَو الحالة الإِسلامية التي بينكم أَصلحوها بذلك ، وإِلا فسدت ، وذكر الإِيمان لأَنه يقتضى الإِصلاح المذكور ، والمشرك لا يعمل ذلك ولا يليه ، أَو المراد الإِيمان الكامل لأَنه الذى يستدعى الإِصلاح فإِن الأَعمال شرط فى كمال الإِيمان ، أَو المراد دوام الإِيمان أَو ترتب ما ذكر عليه ، وليس تشكيكا فى إِيمانهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٦١